|
كلمة
حضرة صاحب السمو
الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني
أمير دولة قطر
في
المؤتمر الدولي للدفاع عن القدس
الدوحة
26 فبراير 2012
بسم الله الرحمن الرحيم
"سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجـد
الأقصى الذي باركنا حوله"
صدق الله العظيم.
الحضور الكرام،
أرحّب بكم في بلدكم الثاني قطـر وأتوجّه من هنا بالتحية للقدس
الشريف وأهلها ولكل الصامدين في أرض فلسطين. فهي مسرى الرسول
العظيم محمد صلى الله عليه وسلم وبوابته إلى السماء، نعم إنها
الأرض المُباركة نصاً ومعنى.
ينعقد مؤتمرنا هذا الذي أقرّته قمة الدول العربية في ظروف بالغة
التعقيد. فالشعب الفلسطيني ما زال يعاني من تكثيف الاستيطان
والعدوان على الوطن والإنسان بمصادرة الأرض وبالجدار العازل،
والحصار المستمر لقطاع غزة، والمحاولات المتواصلة لتهويد القدس،
وانتهاك حرمة المسجد الأقصى، كما تتواصل سياسة التطهير العنصري بحق
سكان المدينة الأصليين، والقضاء على معالم التراث الإنساني،
والديني العريق للشعب الفلسطيني، سواء أكانت إسلامية أم مسيحيـة.
نحن نجتمع اليوم لنؤكد أن القدس عربية منذ الألف الثالثة قبل
الميلاد ولست أبالغ إذا قلت إن القدس العربية تكاد تفقد هويتها
العربية والإسلامية من جرّاء الانتهاكات الجسيمة لدولة إسرائيل ولا
شك أنكم شاهدتم بالأمس الأفعال الوحشية في صحن المسجد الأقصى
الشريف. إن الإسرائيليين لا يدركون أن لا دولة فلسطينية من دون
القدس ولا قدس من دون الأقصى.
منذ عام 1948 والحكومات الإسرائيلية المُتعاقبة في عمليات متواصلة
لإعادة كتابة تاريخ القدس عبر تهميش وإلغاء كل الفترات التاريخية،
وسخرت لذلك إمكانات غير محدودة لإيهام العالم بأن تاريخ القدس له
مسار آخر وقصة أخرى مستوحاة من فرض الواقع وتوظيف الظروف السياسية
للعرب والمسلمين، لفرض الإملاءات والحقائق المغلوطة.
وأستميحكم عذراً في القول إننا جميعاً حكام مقصّرون في معركة
الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس.
السيدات والسادة،
إن إنكار الحقائق لا ينفي وجودها فستظلّ القدس مدينة عربية إسلامية
ومسيحية بمساجدها وكنائسها.
ولا شك أن ما تقوم به إسرائيل في القدس يعتبر انتهاكاً صريحاً
للقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني وللعديد من قرارات مجلس
الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الشعب
الفلسطيني، فالجانب القانوني لوضع القدس واضح أشدّ الوضوح، وهذا ما
يدعونا إلى التأكيد بأن وضع القدس الحالي يستدعي وقفة حازمة
لمواجهة هذا التحدّي الإسرائيلي السافر والذي يجعل عروبة القدس في
خطر داهم.
إنني من هذا المنبر أعلن أن عروبة القدس في خطر داهم وأنها تذوب
وتتلاشى، لذا يتحتمّ علينا التحرّك السريع من أجل وقف تهويد القدس
ومن أجل ذلك فإنني أتقدّم من مؤتمركم هذا باقتراح يرمي إلى التوجّه
إلى مجلس الأمن بغرض استصدار قرار يقضي بتشكيل لجنة تحقيق دولية
للتحقيق في جميع الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل منذ احتلال عام
1967 في القدس العربية بقصد طمس معالمها الإسلامية والعربية، وهو
ما ينسجم مع قرارات عديدة سابقة لمجلس الأمن يدعو فيها إسرائيل
للتراجع عن جميع الإجراءات التي اتخذتها لتهويد القدس.
السيدات والسادة،
إن العودة إلى القدس لا تتمّ بالشعارات والخطابات والمؤتمرات، بل
بالقيام بواجبنا للدفاع عنها وحمايتها من التهويد والتشويه، وتقديم
العون لأهلنا هناك مسلمين ومسيحيين للاستمرار بالصمود في وجه مشروع
القدس الكبرى الصهيوني.
ولا يخفى علينا جميعاً أن وحدتنا في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية
ستكون السدّ المنيع للحفاظ على القدس وهويتها العربية الإسلامية
وهذا ما أكدته رئيسة وزراء إسرائيل السابقة عندما سألها صحفي
إسرائيلي: ما هو أتعس يوم في حياتك؟ فأجابت: يوم أقدم بعض منا على
حرق الأقصى، فقد ظننت أن تلك نهاية إسرائيل. ولما سألها الصحفي عن
أسعد يوم في حياتها، أجابت: عندما وجدت أن المسلمين اكتفوا بالشجب
والاستنكار.
وفي هذا السياق ينبغي على الحكومات والدول في الغرب والشرق أن تدرك
أن رأياً عاماً عربيًا قد نهض حالياً وأنه لا يقبل بالعجز جوابًا
على قضايا الأمة التي تؤرقها منذ أكثر من نصف قرن، وأنه يرفض أن
يكون خيار السلام أقلّ من السلام العادل القائم على حقوق الشعب
الفلسطيني المشروعة.
وهل يُعقل أن الشعوب التي لم تعد تصبر على الضيم في داخلها ستقبل
بظلم الاحتلال، وهي التي طالما وقفت ضدّه وقاومته ولامت دولها على
تقاعسها في التصدّي له؟ وإلى الشعب الفلسطيني نقول نحن في قطر معكم
وبجانبكم نساند صمودكم في القدس ومطالبكم المشروعة في إقامة دولة
فلسطين المستقلة ومواجهة أفعال حكومة إسرائيل وبرامجها.
ولا يفوتني أن أدعو منظمات المجتمع المدني الفاعلة بوصفها شريكاً
رئيسياً مع الحكومات في تحمل مسؤولياتها تجاه تكريس الشرعية
الدولية بشأن حماية القدس وعدم طمس هويتها العربية والإسلامية.
ومن هنا أدعو القيادة الفلسطينية التي تبذل كل جُهد مُمكن للحفاظ
على عروبة القدس الشريف إلى:
1- إنفاذ المصالحة، فلا معنى ولا جدوى لأي خلاف والقدس الشريف ترزح
تحت نير الاحتلال البغيض.
فلتكن القدس وحريتها نقطة إرتكاز لكل الفلسطينيين ولتكن المُحفز
لإتمام المُصالحة وإنهاء الانقسام، لأن رأب الصدع في الصف الداخلي
الفلسطيني المدخل الطبيعي لاستعادة الحقوق، فالنصر المطلوب يأتي
بالأيادي المتماسكة.
2- إعداد استراتيجية شاملة وموسّعة للقطاعات المُختلفة والمشاريع
التي تحتاجها المدينة، ونحن في قطر على استعداد للمُشاركة بكل
إمكاناتنا، ليس فقط في سبيل إنجاز هذه الاستراتيجية، بل أيضاً في
وضعها موضع التنفيذ.
وإنني على ثقة من قدرة الشعب الفلسطيني على تجاوز المحن والشدائد،
وعلينا نحن قيادات العالم العربي مساندة وحدتهم ومساعدتهم في نيل
حقوقهم مهما طال الطريق وصعب السبيل.
وختاماً ، أكـرّر الترحيب بكم في بلدكم قطر وأتمنى من الله عزّ
وجلّ أن يكلل أعمال هذا المؤتمر بالتوفيق والنجاح لما فيه خير
أمتنا العربية والإسلامية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
 |