الجلسة الثالثة تؤكد على تقديم تعليم متوازن لا يحتقر الآخر ... المتحدثون يدعون إلى احترام التعددية الدينية

الجلسة الثالثة تؤكد على تقديم تعليم متوازن لا يحتقر الآخر ... المتحدثون يدعون إلى احترام التعددية الدينية

الشافعي: الاختلافات ذات قيمة إيجابية للمجتمع في كيانه الكلي

التعددية مفهوم راسخ وأصيل في الإسلام

ايدين: لابد من تجنب أساليب التحقير لمنتسبي الأديان الأخرى

علينا استبدال التربية الدينية المستندة إلى الحفظ  

مأمون عياش :

دعا المتحدثون في الجلسة الثالثة لمؤتمر الدوحة الرابع لحوار الأديان، إلى احترام التعددية الدينية، مؤكدين ضرورة تقديم تعليم ديني متوازن للأجيال الناشئة، يبتعد عن احتقار الآخر والإساءة إليه.

وتناولت الجلسة محورين الأول حول التعددية الدينية واحترام الآخر، والثاني حول التصالح والتعليم الديني. وتحدث في الجلسة التي ترأسها الحاخام يهودا ميرسكي المحاضر في جامعة هارفارد بإسرائيل، كل من: حسن الشافعي الأستاذ بكلية دار العلوم بمصر والبروفيسور برنارد كانوفيتش المتخصص بالمجلس اليهودي الإسلامي بفرنسا، ود. محمد شوقي ايدين نائب رئيس الشؤون الدينية بتركيا، والمطران جورج صليبا مطران جبل لبنان للسريان الأرثوذكس والحاخام ديفيد لازار قائد الجماعة الروحية «ريكما» بالولايات المتحدة الأمريكية.

وقال حسن الشافعي إن «التعددية الدينية» بصيغتها الراهنة مفهوم ظهر في الفكر الغربي، وبخاصة في مجال «دراسات الأديان» وذاع خلال النصف الأخير من القرن الماضي، ثم صار قضية تشغل الناس دينيا واجتماعيا وسياسيا في مختلف أنحاء العالم، تعقد له الندوات، وتجري حوله الدراسات وتصدر عنه الكتب والمقالات، ويهتم به الجمهور من المثقفين وغيرهم. وقد وصلت أصداؤه - بصيغته الراهنة، وبعد أن صار قضية عامة لا فكرة فلسفية - إلى العالم الإسلامي، ربما خلال الربع الأخير من القرن نفسه، ونال من الاهتمام العام - أكاديميا واجتماعيا وسياسيا - قدرا ملحوظا، وإن لم يبلغ مبلغه في الغرب.

وليست فكرة التعددية بعامة، والتعددية الدينية بخاصة - حسب مفهوم معين قد لا يتفق تماما مع المفهوم الغربي الرائج - فكرة جديدة في الوسط الإسلامي، غير أنه أصبح الآن قضية دينية واجتماعية، ومن ثم طرح للتناول والبحث في هذا المؤتمر، وطلب إلي أن أقدم حوله بعض الأفكار.

أولاها: عن المفهوم وأهميته، ودواعي إثارته في الظروف الراهنة.

والثانية: عن الأسس التي تقوم عليها فكرة التعددية، والاتجاهات المختلفة في هذا الصدد.

والثالثة: عن بعض الآثار التي نجمت عن شيوع المفهوم الغربي للتعددية سلبا أو إيجابا.

المفهوم، وأهميته، ودواعي بروزه

نشأ مصطلح «التعددية الدينية» في الغرب، وأخذ يشيع منذ منتصف القرن الماضي، كما أسلفنا، وهو ترجمة للعبارة الإنجليزية التي لا يوجد حتى الآن اتفاق حاسم على تعريفها وتحديدها نظرا للاختلاف في تحديد مفهوم «الدين» نفسه الذي تنسب إليه التعددية، وأيا ما كان الأمر، فإن هذه العبارة أصبحت تدل على معنيين: أحدهما يغلب عليه الطابع الاجتماعي أو السياسي العام. والآخر: يشيع في مجالات الدراسات الإنسانية والدينية، وبخاصة مقارنة الأديان.

وأضاف: هناك أسباب ودواع لبروز فكرة التعددية في ثوبها المعاصر، لا ترجع إلى الأديان نفسها بقدر ما ترجع إلى ظروف سياسية، وثقافية، وواقعية:

- فمن الواضح أن النظام العالمي بعد انتهاء الحرب الباردة صار أحادي القطب، بل أحادي الهدف، وهو تحقيق هيمنة الحضارة الغربية والمواقف الأمريكية على العالم، ممثلا في دعوة العولمة وحرب الإرهاب التي يعتبرها أكثر المفكرين المسلمين اجتياحا للعالم الإسلامي خاصة، مع تهديدها لمناطق أخرى، وكثيرا ما تستخدم فكرة التعددية في موكب العولمة لتحقيق أهداف سياسية لا علاقة لها بالدين.

- ومن الدواعي الخارجية لذيوع فكرة «التعددية الدينية» جهود ومشروعات بحثية، تتم في الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية على أيدي الخبراء وبخاصة المستشرقين الذين يتخذون الشرق والإسلام خاصة موضوعا للدرس وتقديم النصح لأصحاب القرار، وقد أثبتت الدراسات المحايدة للاستشراق - وبعضها بأقلام أمريكية - أن بعض تلك الأبحاث - وبخاصة ما يتعلق منها بالفرق الدينية الإسلامية، والفرق المنشقة والأقليات غير المسلمة في المجتمع الإسلامي - قد أدت دورا سلبيا في التطورات المعاصرة في العديد من بلدان العالم الإسلامي. لقد انتقلت هذه الدراسات أو بعضها من الدور النظري الوصفي الموضوعي إلى مهام عملية ترجع إلى التخطيط للعولمة الثقافية.

ويقتضي الإنصاف أن أذكر أن أخطاء التعامل المتبادل بين المواطنين في المجتمعات المتعددة الديانة والمظالم التي لا يبررها أي دين على الإطلاق، سواء كانت في الشرق أو الغرب، هي من الدوافع المهمة لشيوع دعوات «التعددية الدينية».

الموقف الإسلامي من قضايا التعددية

ربما كانت عبارة «التعددية الدينية» جديدة على اللغة العربية، والمصطلح الفني الإسلامي، لكن المفهوم نفسه راسخ وأصيل في صميم المصادر الإسلامية والمقررات الشرعية، ولعل هذا هو السر في رواج المفهوم في العالمين العربي والإسلامي، وكثرة الكتابات فيه كما أسلفنا، وعقد العديد من حلقات البحث والمؤتمرات للتداول حوله، وتناوله في البحث الجامعي أيضا، وقد أفادت هذه الورقة من أطروحتين لنيل درجة الدكتوراه إحداهما لباحث تركي والأخرى لباحث أندونيسي. وسنورد فيما يلي الشواهد الدالة على حضور هذا المفهوم وترسخه في أصول الإسلام وتراثه.

1 - التوحيد:

(أ) يؤسس القرآن الكريم لهذا الأصل الاعتقادي، الذي هو شعار الملة الإسلامية، بأمره للنبي صلى الله عليه وسلم: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)، وهو سبحانه في التصور الإسلامي منزه عن كل صفات المخلوقين: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» الشورى: 11، أما عالم الخلق فمبناه على التعدد والتنوع والتمايز والاختلاف في مستوى الجماد والنبات والحيوان والإنسان على سواء: «ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين» الروم:22، ويقول سبحانه: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء» النساء:1، ويقول عز من قائل: «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور» فاطر: 27-28.

ب - بل إن القرآن الكريم يجعل هذا الاختلاف والتنوع أمراً مقصودا، وسنة مرعية في الخلق لحكم عنده سبحانه وتعالى قد تخفى على العباد، وقد يدركون بعضها ولا يحيطون بسائرها، ولكنها دائماً هناك: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم..» هود: 118-119.

ج - وتشير آيات أخرى في القرآن إلى بعض حكم التنوع والتعدد والاختلاف التي منها حفز البشر على التسابق في طريق الخيرات: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا..» المائدة: 48، وقد يكون من حكمته ايضاً الحض على التجديد والابداع: «ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير» البقرة: 148.

2- التعاون أو الدافع:

وعلى الجماعة أن تستثمر تنوعاتها وتستوعب اختلافاتها، وتبني حضارتها على أساس من التعاون والتضافر: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» المائدة:2، فإن اختل جانب في المنظومة الاجتماعية بأطيافها المختلفة كان «التدافع» سبيلاً إلى إعادة الميزان إلى اعتداله والحق إلى نصابه «31»: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز» الحج: 40.

3 - وقد أوجب القرآن على المسلمين الايمان بكل الأنبياء والرسل السابقين بحيث لا يتم الايمان الا بها، ولا ينجو العبد في الآخرة بدونها «آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله» البقرة: 285، وأكد ذلك في مواطن من أصرحها «إن الذين يكفرون بالله ورسوله ويريدون ان يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا اولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا» النساء:150-151.

وهذه احكام اعتقادية تتصل باصول الدين الاسلامي تؤسس للتعددية في ضمير المسلم، بحيث تجعل علاقته بهم لا تقوم فقط على العدل والإنصاف الواجب نحو كل مخلوق، بل على البر والاكرام، كما قال سبحانه: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» الممتحنة:8.

فإذا انتقلنا بعد العقيدة الى مستوى الفقه وجدنا أحكاما رائعة في تنظيم العلاقات الدينية وارساء اسس التعددية في المجتمع المتعدد الأديان: ومنها:

1 - تحريم الاكراه على العقيدة او الدخول في الاسلام بأي وسيلة من وسائل الجبر والاكراه، طبقا لقوله سبحانه: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..» البقرة: 256.

2 - ومنها حماية اماكن العبادة التي يذكر فيها اسم الله باعتباره واجباً على الجماعة المسلمة كحماية المساجد سواء بسواء «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز» الحج:40.

3 - ومنها اباحة الزواج من الكتابيات فيعيش المسلم مع الكتابية تحت سقف واحد، ويرعيان ابناءهما معاً في عيش واحد وطعام واحد «اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن» المائدة:5.

4 - ومنها المشاركة في المواطنة، كما افادت صحيفة المدينة التي اعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة هجرته، واما الجزية فقد تسقط باتفاق كما فعل عمر رضي الله عنه مع بعض القبائل الشمالية أذ يقومون بالدفاع مع اخوانهم المسلمين.

إنها منظومة من الاحكام والتنظيمات التفصيلية تقف وراء النموذج الرائع الذي عرف عن المسلمين في مراحل تاريخهم - اللهم إلا في احداث نادرة لاسباب طارئة لا تمثل الخط الدائم أو الموقف الأصيل.

ولعل اروع ما في الهدي القرآني مما نختم به هذا البيان الموجز عن «الموقف الإسلامي من قضايا التعددية» هو تلك الآية الكريمة التي يهتز لها القلب وتأنس لها الروح، «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير» الحجرات:13.

وتحدث د. محمد شوقي ايدين حول التفاهم والتربية الدينية فقال: إن كينونة كل إنسان كفرد يتمتع بهذه أو بتلك الصفات هي نتاج امتداد قوته الوراثية الكامنة وتفاعله مع البيئة التي يعيش فيها، ويمكن القول إن التربية بحد ذاتها تمثل التفاعل المشار إليه بشكل عام، وليس للتربية القدرة على ايجاد شيء في الفرد من لا شيء بل القدرة على تطوير ما هو موجود لديه، فالانسان يولد من بطن امه وهو مزود بقوى كامنة محددة، وبامكانه ان يطور هذه القوى بفضل الظروف البيئية التي يعيش فيها بما فيها من التعليم والتربية.

ولا يمكن للفرد ان يسمو الى مستوى الانسانية الا عن طريق التربية لان الانسانية على حد قول «ملسون» ليست شيئا موروثا وانما هي ميراث لابد ان يسعى الانسان للحصول عليه بمعونة انسان آخر في مجتمع انساني وهذا السمو يتحقق شيئا فشيئاً، وان الارتقاء لمراتب علوية ذات علاقة وثيقة بقدرة الفرد على تطوير قواه الانسانية الكامنة التي يمتلكها، علما بأن ليس لمسيرة التطور هذه اية نهاية، بل تدوم طوال الحياة كما ان ليس هناك اجازة انسانية يمكن ان تضع حدا لمثل هذه المسيرة، وفي هذه النقطة بالذات يمكن ايجاز هدف التربية بالشكل التالي: اتاحة الفرصة لكل فرد امكانية تطويرطبيعته الخاصة ضمن اطار ثقافة انسانية بكل معنى الكلمة.

الكينونة والتطور

ان النقطة التي تجدر الاشارة اليها بوجه خاص هي مهام التربية في مسيرة الجهد الذي يبذله الفرد من اجل الوجود/الكينونة، لان الانسان، على عكس الموجودات الحية الاخرى كائن ذو قدرة على ايجاد شخصية وتشكيل كينونته وتغيير نفسه بمحض ارادته واختياره، ولانه صاحب القدرة التي تعي بكينونته. اضف الى ذلك بانه على علم بكينونته وعلى علم ايضا بانه على علم بكينونته.

ولهذا السبب فهو مسؤول عن كل ما يقترفه. ومع ذلك، يكون مستوى وعي الانسان ومستوى كينونته على حسب نوعية تربيته. وسوف يزداد مستوى كينونة الفرد باضطراد نتيجة اسهام التربية الايجابية.

وكلما ارتقى مستوى كينونة الفرد، ازداد مستوى احاطته بكينونته وحياته وما يجري حوله من أحداث وتعريفه بها. وسوف يتسع افقه وقدرته على الابداع والابتكار والقدرة على حل المشاكل التي يجابهها نتيجة ازدياد مستوى احاطة الفرد بها.

ان التطور والكينونة كليهما نفس الشيء بالنسبة للانسان عادة. وبمعنى آخر، فان هذين العنصرين متداخلان ضمن بعضهما البعض. لان الفرد مضطر للتطور من اجل ضمان كينونته/وجوده، وكلما تطور الفرد ازدادت كينونته الفعالة. ولهذا السبب ليس بامكاننا ان نعتبر التطور والكينونة عنصرين مستقلين عن بعضهما البعض.

اذ يمكن للانسان القادر على وعي كينونته/قدراته الكامنة ان يديم حياته بالشكل الملائم لها. وما من شك أن هذه الحياة/الكينونة هي التي تطور وعي الفرد بالمسؤولية وهي التي تحوله الى فرد حر ومستقل وهي التي تنقذه من الاتكال على الظروف الخارجية والانقياد لمشيئة الآخرين وسيطرتهم. وبذلك، سوف يتمكن الفرد من تكوين قيمه وضوابطه وتكييف مواقفه وتصرفاته في ضوئها، وسوف يتمكن من ادارة نفسه والاشراف عليها.

واضاف ان علينا ان نسارع الى استبدال التربية الدينية التي تستند إلى الذاكرة/الحفظ بالتربية الدينية التي تستند إلى التعليم الفهمي والادراكي وان نتبناها، اي علينا ان نخرج الطالب من الوضع الذي هو مهيأ لقبول المعلومات التي تملى عليه بدون روية وتساؤل الى الوضع الذي يتيح له امكانية تلقي المعلومات من مصادرها الرئيسية وانتاجها واستخدامها بالذات، اي علينا ان نتجنب من الوسائل التقليدية وان نتخذ التدابير التي تضمن تطوير الملكات الفكرية والاستجوابية لدى الطلاب وتفتح طرق الوعي والادراك لديهم وان لا نمنع ولا نوقف التفكر الحر. ويتضح من ذلك كله بان على التربية الدينية ان تبتعد كل البعد عن تحفيظ بعض القوالب او فرضها على الطلاب وبدلا عن ذلك علينا ان نتيح الفرصة لهم لتحليل النصوص الدينية وفهمها واستنباط مدلولاتها واكتشاف المعاني والمبادئ واستيعابها بالشكل الصحيح. فمثلا على التربية الدينية ان تتجنب تحفيظ عبارة انا مسلم وان تستبدل هذا النهج التقليدي بالنهج الذي يرشد الطلاب على اكتشاف هذه العبارة من خلال التحري والتفكير بأنفسهم والحصول عليها وتبنيها بعد بذل المجهود اللازم من اجلها.

ان المعلومات المكتشفة من قبل المتعلم بالذات في اي مجال كان افضل بكثير من المعلومات المحفوظة، وما من شك بأن هذا المبدأ ينطبق على القيم ايضا. اذ يستحيل تأصيل القيم المحفوظة لدى الفرد، لان هذا الفرد سوف ينتهك هذه القيم بسهولة رغم انه يبدو انه امتلكها. فنفرض مثلا ان فردا ما قد سمع هذا القول من بيئته «كن مستقيما. ويجب على كل انسان ان يستقيم»، فان هذا الفرد سوف يتصرف بالاستقامة طالما هو عرضة لمراقبة الآخرين، وقد يكون اول من ينتهك هذا المبدأ بسهولة لدى غيبوبتهم عنه. اما ان اكتشف الفرد نفسه ببذل المجهود مزية الاستقامة وأملى عليه عقله ضرورة التحلي بهذه المزية فسوف يتصرف بمنتهى الاستقامة ان كان عرضة لمرقابة الآخرين او لا. وهذا يعني ان الفرد الاول يستقيم نتيجة اطاعته لطلب الآخرين التصرف بهذه الطريقة وان الفرد الثاني يستقيم تلقائيا وبمحض ارادته نتيجة اطاعته لاوامر عقله وقلبه. ويتضح من ذلك أن الافراد الذين يكتشفون مثل هذه المزايا سوف يلتزمون بها حتى النهاية. ولهذا السبب، فان القيم المحفوظة فقط لا تسهم في تطوير القيم الاخلاقية في الفرد بل المعلومات والقيم المكتشفة من قبل الفرد تسهم في تطوره الاخلاقي، لان التطور الاخلاقي يوازي التطور في الادراك والوعي. هذا علما بان التطور الفهمي والادراكي لا يستند إلى المعلومات المحفوظة بل على التعليمات التعبيرية المفهومية.

ان المعلومات التي تتيحها مثل هذه التربية الدينية ليست اسفارا محمولة بل هي مادة مفيدة تسهم في حل مشاكل الفرد وتذليل الصعوبات التي يواجهها في حياته الفردية كما تشجعه على التصرفات والاعمال الصالحة. ان مثل هذه التربية الدينية تجعل الفرد منفتحا نحو التحول والتطور بالاتجاه الصحيح، ومنفتحا نحو نفسه وغيره والكون بأسره ومنفتحا نحو الايمان والاخلاق والجمال ومنفتحا نحو كل ما هو انساني ومتيقظا على استغلاله واستخدامه من قبل الآخرين.

ولابد من توفير الثقافة الدينية التي تتيح للاطفال والشبان امكانية التعرف على قيمهم الثقافية وتضمن ايضا تعرفهم على معتقدات وممارسات الآخرين واحترامهم لها في نطاق الفهم المذكور اعلاه. ولابد في هذا الاطار من تجنب استخدام اساليب التحقير لمنتسبي الاديان الاخرى.

ويمكن الاجابة عن السؤال الذي طرح اعلاه «ما هي كيفية التربية الدينية التي يمكن ان تحقق الهدف المنشود؟» بايجاز: ان التربية الدينية التي يمكن ان تحقق الهدف المنشود هي التربية التي تساعد الفرد على التعرف على نفسه وخالقه والكون باسره وترشده على اكتشاف معنى الحياة والغرض منها، وهي التربية التي يمكن تخطيطها وتطبيقها من اجل الاسهام في زيادة مستوى كينونة الفرد وتطويره وتبني ثقافة السلام والتفاهم واستيعابها. وما من شك أن الدول والشعوب والمجموعات المكونة من الافراد الذين تشربوا هذا المفهوم سوف يتمتعون بميزات مختلفة للغاية، وعلى الرغم من ذلك، سوف تتمكن هذه الدول والشعوب من حل المشاكل الكبيرة التي تجابهها الانسانية اليوم بمنتهى السهولة.

الدكتور دين محمد: الحوار بين الأديان يخلق حراكا فكريا على الساحة الدولية

عبدالله مهران :

أكد الدكتور دين محمد ميرا صاحب رئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر وعضو اللجنة التحضيرية لمؤتمر حوار الأديان في تصريحات لـ الشرق أن المهم هو خلق ثقافة الحوار بين عموم الناس وجعل قضية الحوار قضية رأي عام .

وقال إن هذه المؤتمرات تخلق ثقافة الحوار بين الناس وترسخ لفكرة إقامة حوار فاعل بين أهل الديانات السماوية ، وتخلق حراكا مطلوبا على الساحة الدولية حول ضرورة التلاقي والتعارف والتعاون بين مختلف الشعوب لما فيه مصلحة الإنسانية ، وإن كانت لم تزل حتى الآن كلاما علميا جميلا بين متخصصين ، وقد لا تجدي نفعا ما دامت حبيسة قاعات الفنادق .

وأضاف إن المتحدثين في الجلسة الافتتاحية ركزوا جميعا على أن هناك قضايا مشتركة بين أهل الأديان ، وأن الدين هو الأساس في حياة أي إنسان ، حيث وجد بوجود الإنسانية نفسها ، وأن الأديان دائما ما تحث أتباعها على محبة الآخر واحترامه ، لكن المطلوب هو تفعيل هذه القناعات التي عبر عنها ممثلو الديانات السماوية الثلاث.

وبسؤاله عن جدوى الحوار القائم ما دام كل يصر على أنه هو من يملك الحقيقة وأنه هو على صواب ، قال في الحقيقة نحن لانتوقع من الآخرين أكثر من ذلك فالكل يحاول أن يسوق للقضايا والأفكار التي يؤمن بها ويعتقد بصحتها في دينه هو ، وإن كنت أعتقد أن الدكتور محمود حمدي زقزوق كان أكثر المتحدثين اقترابا من الحقيقة، وهذا الأمر لا أرى فيه مشكلة.

وردا على سؤال حول آفاق الحوار بين الأديان وثمرته المرجوة ، قال الدكتور دين محمد إن هذا الأمر مهم جدا حيث تتاح الفرصة لكل صاحب فكر أن يطرح فكره ورؤيته للآخرين ومن خلال معرفتنا به نستطيع أن نحدد الطريقة التي يمكن أن نتعامل بها معه .

وحول كيفية خلق الوعي لدى الرأي العام ، قال إننا يجب أن نخلق ثقافة الحوار بين الأكاديميين أولا ثم بعد ذلك نفعل هذه القضية حتى تكون قضية رأي عام غير قاصرة على الأكاديميين فقط، وهو الأمر الذي بدأ يأخذ دورا أكبر هذه الأيام.

وعن الكيفية التي يمكن من خلالها للأكاديميين أن يؤثروا في صناع القرار من السياسيين الذين لا يأبهون غالبا لمثل هذه الأفكار التي يحاول المتحاورون أن يروجوا لها ، قال الدكتور دين محمد رئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية إن المشاركين في هذا الحوار لهم تأثيرهم في مجتمعاتهم وإن كان محدودا لكنه سيكون فاعلا إن وجد آذانا صاغية من السياسيين ، وهم يقومون بما عليهم وإن كان يمثل أضعف الإيمان.

وبسؤاله: لماذا لا يقومون بأقوى الإيمان وهم في الغالب ممن يحتلون مناصب رسمية في بلدانهم ؟ ويرد قائلا: سيتحقق ذلك في يوم من الأيام ، وسيسمع السياسيون لرأي العلماء وما يريدونه للبشرية من خير وعافية وعندها يكون الحوار بين أهل الأديان قد آتى ثماره المرجوة.

بحث

النشرة الإخبارية

لتلقي آخر أخبار الاجتماع أولا بأول أدخل بريدك الالكتروني

All rights Reserved © Conferences Organizing Committee
Site Designed and Powered By