د. الأنصاري: التشريعات العربية تضع المرأة في المرتبة الثانية وتجعلها تابعا للرجل

د. الأنصاري: التشريعات العربية تضع المرأة في المرتبة الثانية وتجعلها تابعا للرجل

الدوحة -الوطن والمواطن

استعرض د. عبدالحميد الانصاري الاستاذ بكلية القانون بجامعة قطر وضع المرأة في التشريعات العربية المعاصرة في بحث مطول ألقاه في الجلسة الثانية بمؤتمر الاديان واكد ان نظرة المجتمع العربي للمرأة لم تتغير منذ الجاهلية فهي دون الرجل في المرتبة الثانية وتابعة وهو وصي عليها ولذلك فإن من الطبيعي ان تعكس التشريعات العربية تلك النظرة اللاإنسانية وغير السوية. معظم التشريعات العربية تعزز سلطة الرجل وهيمنته على الاسرةوالمجتمع وتكرس علوية الرجل وتعظم عقلانيته وسداد رأيه على حساب تبعية المرأة وعاطفيتها وضعف رأيها وسوء تصرفها. واستدرك قائلا: صحيح ان الدساتير العربية تؤكد المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ولكن التشريعات اللاحقة والمنظمة لشؤون المجتمع المختلفة لا تنصف المرأة ولا تنظر اليها كانسان كرمه خالقه في قوله تعالى «ولقد كرمنا بني آدم» وفرض له حقوقا كاملة فهي دائما «أنثى» وليس الذكر كالانثى. وتساءل لماذا لا يزال يعامل مجتمعنا نساءه تلك المعاملة واجاب عن السؤال مشيرا الى امرين: الاول، لايزال المجتمع العربي اسير ثقافة ذكورية مهيمنة للذكر فيها الدور الاعلى والحق الاعظم وعلى الانثى القبول بالحقوق الاقل والواجبات الاكبر، والثاني، المرأة الطويلة عن مجالات التشريع سواء على مستوى اللجان او المجالس التشريعية بسبب تهميش دور المرأة المجتمعي - السياسي والاقتصادي - وحتى عندما شاركت في الحياة العامة وحصلت على بعض الحقوق السياسية وتقلدت مناصب قيادية فان فاعليتها في تعديل تلك التشريعات المتحيزة ظلت ضعيفة.

وأوضح ان هامشية دور المرأة التاريخي في المجتمع ترجع الى انها لم تكن عنصرا اقتصاديا منتجا في عصر سادت فيه الحروب والغارات القبلية حيث شكلت الغنائم المورد الرئيسي للمعيشة مما جعل المرأة عبئا اقتصاديا على الغانمين المنتصرين ومصدر عار على المنهزمين.

وقال ان مجتمعاتنا العربية قد تطورت كمؤسسات ونظم معيشة ووسائل اتصال وتعليم وذلك بفعل الاحتكاك الحضاري وما افرزه من مظاهر تحديث ووعي بأهمية حقوق الانسان الا ان التشريعات العربية في مجملها ظلت اسيرة لموروثات وعادات وتقاليد واعراف متحيزة ضد المرأة نظرا لثقل تلك الموروثات وترسخها في البنية المجتمعية.

وذكر ان عنده من الشواهد ما يؤكد انحياز التشريع العربي عامة لمصلحة استدامة تسيد الرجل ووصايته باعتباره الجنس المفضل والاعلى والاحظى بالحقوق والامتيازات مقارنة بالمرأة.

وقال يكفي فقط الاطلاع على التحفظات الكثيرة والمضحكة للدول العربية على اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة ولا هدف لتلك التحفظات الكثيرة الا استدام التمييز والابقاء على وضعية متخلفة للمرأة بمبررات اضحكت علينا العالم المتحضر. وأورد د. الانصاري بعض النماذج التي تؤكد التمايز واللامساواة في النصوص التشريعية العربية فيما يتعلق بوضعية المرأة على النحو التالي:

الحقوق السياسية للمرأة: لم تعترف التشريعات العربية بالحقوق السياسية للمرأة (الانتخاب والترشيح) إلا في مرحلة متأخرة ونتيجة للضغوط الداخلية والخارجية او من باب تجميل الصورة امام العالم المتقدم وما زالت تشريعات عربية تحرم المرأة من حقوقها السياسية خضوعا لأعراف وتقاليد او انقيادا لتفسيرات دينية كما في الكويت والسعودية رغم ان الحقوق سابقة على التشريعات وعلى المجالس التشريعية باعتبارها جزءا من كرامة الانسان التي قررها الخالق وليست بحاجة الى اقرار البرلمانات وغير خاضعة للمساومات او المناقشات او الصراعات السياسية.

القضاء: ما زالت معظم التشريعات العربية وعلى الاخص ـ الخليجية ـ تحول دون المرأة ومنصب القضاء وهناك فقط 7 دول عربية من اصل 22 دولة عربية تمارس فيها المرأة القضاء وعندنا الآن 10 آلاف قاضية اثبتن نجاحا واقتدارا ومع ذلك فالتشريعات العربية تتوجس من تولية المرأة القضاء بسبب المواريث القديمة وبتأثير تصورات مضحكة عن عاطفية المرأة وانحيازها ونقص عقلها.

رئاسة الدولة او الوزارة: التشريعات العربية لا تسمح للمرأة بأن تتولى رئاسة الدولة او الوزارة حتى الآن علما ان المرأة المسلمة تولت تلك المناصب في عدد من الدول الاسلامية في جنوب شرق آسيا ولا نجد مانعا دينيا تبعا لفتاوى لعلماء كبار مثل شيخ الازهر د.محمد سيد طنطاوي والامام محمد مهدي شمس الدين بحق المرأة في تولي رئاسة الدولة، ولكن تشريعاتنا ما زالت محكومة بتقاليد مجتمعية وليست مهتدية بتعاليم سماوية.

حق نقل الجنسية: ما زالت المرأة العربية محرومة من حق طبيعي تتمتع به سائر نساء العالمين وهو حق نقل جنسيتها الى زوجها والى اولادها خاصة اذا تزوجت من غير المواطن اذ تعيش هي واولادها معاناة ظلم مجتمعي وتشريعي طويل. وتشترك جميع قوانين الجنسية العربية عدا تونس في هذه الظاهرة التمييزية الظالمة في الوقت الذي من حق الرجل نقل جنسيته لاولاده وزوجته غير المواطنة، والتشريعات العربية وحدها تنفرد بهذا الوضع اللاإنساني من بين سائر تشريعات العالم بمبررات غير مقبولة، منها: أ ـ المبرر الديني: الذي يقضي بأن الرجل هو صاحب القوام واليه ينسب الاولاد وهو مبرر ساقط لان كون الرجل قواما وصاحب النسب لا علاقة لهما بمسألة الجنسية لانها ر ابطة قانونية وسياسية تنشئ حقوقا وواجبات متبادلة بين الفرد والدولة أما النسب فهو الاصل العائلي الذي نحدر منه المولود وتحكمه الشريعة فلا علاقة بين الجنسية والنسب.

ب- المبرر القانوني: يدعي بعض القانونيين بأن قوانين الجنسية العربية تعتمد «معيار الدم» اساسا لنقل الجنسية حسنا ليكن هو المعيار ولكن لماذا يقتصر على الاب وحده؟ ولماذا تحرم الام مع أن لها دورا مساويا بل أعظم؟ أليست هي التي ترضع الولاء والانتماء في نفسية اطفالها بأكثر مما يفعله الأب إن تشريعات العالم المتحضر - ايضا - اعتمدت معيار الدم لكنها جعلته حقا مشتركا للأبوين على حد سواء.

(ج) المبرر الأمني: هناك من يثير تخوفات أمنية كما في «حالة مصر» أو إحداث خلل في التركيبة السكانية كما في «حالة الخليج» وهي كلها مبررات زائفة لأن مقتضيات الأمن القومي في مصر تدعو الى عدم حرمان مليون طفل من حق الحصول على جنسيات أمهاتهم المصريات كما أن اعتبار تصحيح الخلل السكاني في الخليج تحتم تجنيس أبناء المواطنة وزوجها استعادة للتوازن المفقود بين اقلية مواطنة وأكثرة غير مواطنة.

وإذا لم يكن من حق هؤلاء الذين ولدوا وترعرعوا وضعوا الولاء والانتماء لأرضهم ووطنهم حق الجنسية ؛فمن حق من إذن؟

إن موروثات الجاهلية الظالمة هي التي صاغت تشريعات الجنسية العربية لا غير أما الشريعة فما كانت لتظلم المرأة وما كانت لتقر أبدا بأقصاء نصف المجتمع من حقه العادل. إن قوانين الجنسية العربية اذ تخالف مواثيق حقوق الانسان وتناقض بشكل سافر اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة فإنها ايضا تخالف دساتيرها الوطنية.

العنف للدفاع عن الشرف

العنف مرض عضال يستشري في مجتمعاتنا بدرجات متفاوتة في الحدة والنوع والحجم تبعا لتركيبة المجتمع وطبيعة الثقافة السائدة وهو - ايضا - ارث اجتماعي له جذوره البعيدة منذ الجاهلية حينما كانت القبيلة تقوم بالغارة على أختها لكأسلوب مألوف لحل نزاعها معها على المرعى أو الحمى وحينما كان الرجل يلجأ للخلاص من الأنثى كأسلوب للخلاص من العار وهو اسلوب ممتد الى عصورنا فيما يسمى بـ «جرائم الشرف» حيث تزهق - سنويا - أرواح ما لا يقل عن 360 امرأة في مصر و200 امرأة في الاردن وهناك العديد من الارواح التي تزهق في الدول العربية باسم الشرف وهو بريء من تلك الجرائم.

وقد ساعد على استشراء تلك الجرائم العذر المخفف، الذي تمنحه التشريعات العقابية العربية لكل من قتل زوجته أو اخته أو ابنته في قضية متعلقة بالشرف إذ أنه بمقدور أي رجل أن يغسل عاره بيديه ويأخذ حكمامخففا بالسجن «شهورا أو اياما» ثم يخرج رافعا رأسه لأنه دفن الخطيئة والمشكلة أن القضاء يحكم بعقوبات مخففة على المتهم الرجل مع التأكد أن اغلب الحالات التي حصلت لم تكن بسبب الزنا اذ أن بمجرد أن تخطف الواحدة أو تغيب عن البيت أو تكون برفقة رجل في مكان عام أو لمجرد الاشاعات كل ذلك يعد سببا كافيا للقتل باسم الشرف. واعتبر د. الانصاري هذا الموقف التشريعي والفقهي والاجتماعي سوءة خلقية ودينية وإنسانية إذ كيف يرخص دم المرأة الى هذا الحد بينما يسمو دم الرجل وهو منطق ذكوري بحت يمتد الى قانون نابليون الذي استمد منه هذا النص المناقض لتعاليم القرآن في التسوية في العقوبة بين الزاني والزانية.

العنف التأديبي ضد المرأة:

للعنف في المجتمع العربي مصادره وأسبابه وعوامله التي ترتبط بنمط التنشئة الاجتماعية السائدة من غياب الديمقراطية في البيت الصغير والمعاملة التمييزية بين الاخ واخته والخطاب التعليمي الذي يحشو ذهن الطالب الغض بالامجاد والمآثر مع بخس حق الاخرين فيها ولا تقوم على الحوار وقبول الاخر وذلك بتجريع الطالب وجهة نظرة احادية، وفي خطابنا الاعلامي الذي يحرض على العنف وفي خطابنا الديني الذي يدعو على الآخرين بالفناء ويدفع شبابنا للهلاك باعتباره طريقا للجنة ولقاء حور العين وفي خطابنا الثقافي الذي لا يزال متوجسا من الهيمنة والغزو الثقافي والافكار المستوردة والعولمة الخبيثة واخيرا في خطابنا التشريعي الذي ينحاز للرجل ضد المرأة ويقنن العنف ضدها فيما يسمى بالعنف التأديبي كما جاء في مادة من مواد مشروع العقوبات القطري «ويعتبر استعمالا للحق تأديب الزوج لزوجته وتأديب الآباء ومن في حكمهم للأولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعا وقانونا».

التفرقة بين دية المرأة والرجل

هناك للاسف تشريعات عربية تفرق في الدية بين الرجل والمرأة ولقد اشار الشيخ الغزالي رحمه الله الى ذلك بقوله «القرآن الكريم ينص على ان الدية واحدة للرجل والمرأة ولكن شاع عند طائفة من الفقهاء والمحدثين ان ديتها على النصف».

حق المرأة في الخلع: الخلع حق للمرأة اذا كرهت زوجها في مقابل حق الرجل في الطلاق اذا كره زوجته وهذا امر مقرر شرعا- قرآن وسنة- ومع ذلك فبعض التشريعات العربية تحكم على المرأة بالبقاء مع زوجها رغما عنها ولا تسمح لها بالخلع الا بموافقة الزوج فاذا لم يوافق فلا سبيل امام المرأة للخلاص من الاسر الزوجي الا بطلب الطلاق للضرر وذلك امر يتعذر تحقيقه الا بالشهود والاثبات.

حق المرأة في الطلاق لعقم الزوج: تبيح التشريعات العربية للرجل حق تطليق زوجته اذا كانت عقيما ولكن لا تسمح للمرأة بطلب الطلاق اذا كان الرجل عقيما وهي تفرقة غير مبررة ولا مسوغ لها دينا او عقلا.

حق المرأة في الحضانة اذا تزوجت

الرجل اذا طلق زوجته وعنده اولاد فمن حقه ان يتزوج من يشاء من النساء ولكن المرأة اذا طلقت وكانت حاضنة لاطفالها فانها تفقد حق الحضانة اذا تزوجت وهكذا تجعل التشريعات العربية الام الحاضنة امام نارين الحضانة فإما ان تحتفظ بحضانة اولادها وتضحي بشبابها وسعادتها الزوجية واما ان تتزوج وتفقد حضانة اولادها وذلك امر يجافي الحق والعدل ولا سند له الا اقوال فقهية سادت مجتمعاتنا قديما.

حق الأم في الحضانة حتى سن «15» سنة

مما يؤسف له ان التشريعات العربية تتفنن في انتزاع الاطفال من حضانة امهاتهم فما ان يبلغ الصبي 7 سنوات والصبية 9 سنوات حتى تحرم الام من حضانة اطفالها وتربويا ذلك خطأ ونفسيا ذلك له عواقب سيئة ومصلحيا ذلك غير سديد ولم يرد في الكتاب والسنة ما يحدد السن المناسبة وفقهيا هناك آراء عديدة منهم من ترك الامر للقاضي ومنهم من حددها بالبلوغ او بزواج الفتاة وهناك من حدد 7 للفتى و 9 للفتاة.

بحث

النشرة الإخبارية

لتلقي آخر أخبار الاجتماع أولا بأول أدخل بريدك الالكتروني

All rights Reserved © Conferences Organizing Committee
Site Designed and Powered By