نقاشات موضوعية وشفافة حول الدين والعولمة والأخلاق

نقاشات موضوعية وشفافة حول الدين والعولمة والأخلاق

متابعة - جميل عبود

شهدت الجلسة الأولى لمؤتمر حوار الأديان في يومه الثاني والتي انعقدت صباح امس في فندق الفورسيزونز مناقشة جريئة حول عدد من المواضيع المهمة تناولت سبل ترسيخ التعاون والتعايش بين الديانات السماوية الثلاث وتركزت محاورها حول مواضيع الدين والعولمة والاخلاق في التعليم الديني ودور الدين في تعزيز القيم الاخلاقية بالاضافة الى القيم والمصالح باعتبارها الاساس في العلاقة بين الديانات الإبراهيمية.

وقد طرحت هذه المواضيع من خلال عدة محاضرات تميزت بالموضوعية والشفافية حاولت عرض الواقع في خطوة مبدئية لفض الخلافات وتعزيز القواسم المشتركة بين هذه الاديان.

وقد تحدث خلال الجلسة ستة مشاركين وهم القس الدكتور صفوت البياضي رئيس مركز الكنائس البروتستانتية في مصر والسيد محمد حسن مستشار الامين العام للمجمع العالي للتقريب بين المذاهب الاسلامية من جمهورية ايران الاسلامية والحاخام رولاندو ماتالون حاخام طائفة البناي اليهودية في الولايات المتحدة والدكتورة معلى سلجوق من جامعة انقرة والشيخ ابراهيم مقرة رئيس لجنة المساجد بالمجلس الاسلامي البريطاني في لندن واخيرا البروفيسور جاكوب بيندر خبير الاديان في الشرق الاوسط.

في البداية توجه القس د. صفوت البياضي رئيس مركز الكنائس البروتستانتي في مصر بالشكر والتقدير لدولة قطر على استضافتها هذا المؤتمر المهم وخص بالشكر حضرة صاحب السمو امير البلاد المفدى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واكد على اهمية الحوار بين الحضارات معتبرا انه اللغة التي يجب ان تسود في عصرنا هذا وقال:

ما احوجنا الى تكثيف مثل هذا اللقاء على كل الاصعدة والمستويات فالحوار هو لغة العصر واسلوب العقلاء والحكماء بل هو اسلوب السماء افلم يحاور الخالق سبحانه وتعالى الانسان حتى في حالة العصيان وما كان حديث الله عز وجل مع آدم في الجنة الا درسا لنا اجمعين في الدعوة الى الحوار وادبه وجماله.

فدعونا اذن نرسخ قيمة الحوار ونوسع دائرته لتشمل الكرة الارضية فتنطلق لغتنا الى بلاد العالم في شرقه وغربه والعالم محتاج الينا بل وينتظرنا ان نعبرنحوه ونتحدث معه.

واضاف مهما اختلفت التوجهات الدينية وتعددت الديانات والعقائد والثقافات الا انها جميعا تتفق على قواعد اساسية كمصادر رئيسية لارساء مبادىء الاخلاق ويمكن تلخيص الاسس الايمانية بانها موجهة لخير الانسانية فالخير هو الموضوع وإرادة الخالق وهي القاعدة والسعادة الانسانية هي الدافعة والانسان ليس فقط مضطرا ان يعمل مع غيره كفريق ولكنه ايضا يسعى جاهدا ان يمارس عمله من خلال علاقته بآخر تبنى على العدالة والمساواة وهذا ما تحاول القواعد الاخلاقية ان تنظمه وتقيمه وتقويه وعلى مر آلاف السنين وضعت الكثير من القواعدوالمبادىء الاخلاقية وأجريت عليها التعديلات والاضافات بهدف تأسيس قواعدومبادىء السلوكيات والتصرفات وخرجت منها اقسام القوانين وكلها تهدف الى خلق مجتمعات سهلة الحركة مع تنظيم دور وموقع الافراد في المجتمعات الا انه ومع شديد الاسف فقد حدث التفاف على القوانين وقواعد السلوك بهدف تحقيق اكبر قدر لمنافع الافراد او جماعات معينة.

واعتبر القس البياضي انه في البلاد المتقدمة يؤثر الاغنياء اصحاب رؤوس الاموال في وضع المبادىء القانونية والسلوكية وغالبا ما تكون هذه القواعد متجهة الى خدمة اصحاب رؤوس الاموال ومصالحهم.

ومن الجانب الاخر ففي المجتمعات ذات التعليم المنخفض والثقافة المحدودة فان الجماعة القليلة المتعلقة تكون هي المسيطرة والمهيمنة على فرض قواعد السلوكيات والقوانين والتشريعات لاسيما عندما تعتمد على فهمهم للدين في غيبة الغالبية غير المدركة لكل الابعاد الدينية وقد لا تخلو اهداف الاقلية المسيطرة علميا ودينيا من اهداف خاصة وتحقيق مكاسب معننوية ومادية دون اعتبار لاغلبية المواطنين.

ولكي يقبل الجميع ما يقدم من مواد اخلاقيةومبادىء تنظيمية لابد ان يقتنع الجميع بها ويتفهمو الاهداف والمقاصد التي من اجلها توضع وبقدر اقتناعهم بالفائدة العامة من الخضوع للقواعد الاخلاقية والقانونية المعروضة بقدر ما يستقر المجتمع وتنخفض نسبة الخروج على المبادىء او التمرد عليها وبقدر مرونة القواعد الاخلاقية والابتعاد عن التصرف في حرفية النص دون ادراك لعمق المعنى وتساءل القس البيايض حول دور رجال الدين في مقاومة الشر والاشرار وقال الايمان يحضنا على تجنب الشر وفعل الخير اي العودة الى التمتع بنعمة الله الخالق والرازق الذي من البدء خلق الانسان ذا طبيعة خيرة وان كان يملك الحرية ان يفعل الخير او ان ينحو نحو الشر والخير لا يحتاج الى عقل فطين ليميز بينه وبين الشر فالخير كالشمس والنور والشر كالظلام والظلمة.

وهنا يأتي السؤال ما هو دوري في مقاومة الشر والاشرار؟ ومع ان هذا السؤال يحتاج الى بحث كامل ومطول الا ان الوقت لا يسعنا الا ان مر عليه سريعا ولذا سنفصل بين مقاومة الشر ومقاومة الاشرار وكما اسلفنا ان الشر يقاوم بمعونة الله ونعمته والارادة الصالحة التي خلقها الله في الانسان وميزها عن الحيوان وفتح امامه طريق المصالحة بين الانسان وخالقه ومنه يمارس المصالحة والسلام بين الانسان واخيه الانسان.

واختتم بالقول ان من اهم قواعد الاخلاق الايمانية «العدل» والعدل بين الناس يأتي على قمة السلوكيات الاخلاقية اذ ان معظم الشرور تأتي نتيجة الاحساس بالظلم وعدم المعاملة المتساوية بين الناس جميعا.

والعدل يبدأ من الاسرة ثم المدرسة والجامعة والعمل وينبغي على الآباء والامهات ان يمارسوا العدالة بينهم ومع ابنائهم ذكورا واناثا وعلى المعلمين والمربين ان يفعلوا ذلك ودور ارباب الاعمال والحكومات ومنصات القضاء ان يسود فيها العدل بين الجميع لا فرق ولا امتياز لاحد على احد بسبب اللون او الجنس او اللغة او الدين او العقيدة.

والايمان بالله يدعونا الى المعاملة المتساوية وان يعطى الجميع ذات الفرص وذات الحقوق ويرتبط بالعدل ان ينال المخطىء جزاء ما يستحق من عمل دون النظر لشخص المخطىء فالعدالة هي المساواة في كل شيء ثوابا وعقابا.

ومن جانبه اعتبر مستشار الامين العام للمجمع العالي للتقريب بين المذاهب الاسلامية في الجمهورية الايرانية ان هناك صحوة اسلامية شاملة في العالم الاسلامي وهذه الصحوة واضحة في عدة امور ظهرت في الآونة الاخيرة ومنها ولادة رابطة العالم الاسلامي والمؤتمر الاسلامي ونجاح الثورة الاسلامية في ايران واندحار الاتحاد السوفياتي من افغانستان وهذا ما دفع بعض الدول الاخرى في العالم الى تغيير سياستها وتقسيم العالم الى متحضر ومتوحش واضاف: مؤخرا طرحت عدة نظريات تدور حول التناقض التام بين الاسلام والغرب وهناك دراسات بنيت على هذا النظريات لتفسير الظاهرة وهذا برأيي جهد سيىء باتجاه تهميش الاسلام من قبل الغرب واستغلال حقوق الانسان لاضطهاد الشعوب الاسلامية خاصة مع ما نراه من افكار يأتي بها من يدعون بالمستشرقين الجدد وانا ادعوهم بمستشرقي اليأس الحضاري فهؤلاء صوروا الاسلام بانه عدو لا يمكن التعامل معه وعليه ان يلحق بالغرب في كل شيء.

واكد الدكتور محمد لابد من التميز بين الاسلام كفكر ومنظومة فكرية وبين الاسلام كناس يؤمنون به فلا يمكن اعتبار تصرف حاكم فاسد في منطقة معينة عيبا على الاسلام فالعيب موجود في مثل هؤلاء الاشخاص وليس في الدين.

فكما اننا نعتبر ان ما ترتكبه اسرائيل بحق الفلسطينيين ليس له علاقة بالدين اليهودي فكذلك هو الامر بالنسبة للديانات الاخرى واعتقد ان ما يجمع بين الاسلام والمسيحية واليهودية شيء كبير فالاسلام نقل عن سيدنا عيسى وموسى وجاء ليكمل رسالتهما السماوية السامية وختاما توجه الدكتور محمد بالشكر لقطر حكومة وشعبا لاستضافتها هذا المؤتمر وشكر كل القائمين عليه من منظمين ورعاة ومشاركين.

اما الحاخام رولاندو ماتالون فقد اعتبر انه ينتمي الى كل هذا العالم دون تمييز وبدأ محاضرته بالقول لقد ولدت ونشأت في الارجنتين ولكن اجدادي ينحدرون في نسبهم الى مدينة حلب السورية وانا اعيش في الولايات المتحدة فانا اميركي وعربي ويهودي وهناك كثيرون مثلي في هذا العالم وهذه شهادة على العولمة في عصرنا.

وقد تناول الحاخام ماتالون في محاضرته موضوع الدين والعولمة حيث قال:

هناك رواية في الكتاب المقدس عندنا نحن اليهود تقول إن الله طلب من جبريل ان يجلب ترابا من اربعة اركان الارض وخلق منها آدم ومن هنا فعلينا ان نشعر بان بيتنا في اي مكان في هذا العالم.

واضاف البعض يرى ان العولمة وصلت الى مستويات مخيفة يجب وقفها ولكن العولمة انطلقت ولن تتوقف فهناك فوائد كثيرة للعولمة لابد من الاستفادة منها والعمل على تعزيز الخير والحرية عن طريقها لجميع البشر.

فالعولمة حاليا مدعومة من قبل اربع جهات وهي: الاسواق والشركات المتعددة الجنسية والاعلام والانترنت وواجبنا نحن ان نعمل بشجاعة للحد من الخلاف فيما بيننا فنحن نتعرض اكثر من قبل لناس آخرين ولعادات واسلوب حياة مختلفة وهذا ما قد يشعرنا بالخوف احيانا ولكنه خوف غير مبرر.

واعتبر الحاخام ماتالون ان الاهم هو العمل على الوعي العالمي والاهتمام بالبشر وراء حدودنا الاقليمية وان نلعب دورا نحن كرجال دين في السعي لفرض الاخلاق على قوى السوق التي نعرف انها محايدة من ناحية الاخلاق كما ان علينا ترسيخ التواضع في عصر الاستهلاك الذي نعيشه والنقطة الاهم هي في الوقوف في وجه السعي الذي تحاول بعض القوى ان تفرض من خلاله لونا واحدا على كل العالم فكما فشلت مثل هذه المحاولات في التاريخ ستفشل الان وعلينا ان نقف في وجه هذه الموجة السلبية للعولمة لأنها ضد إرادة الله التي تهدف الى التنوع.

واختتم الحاخام ماتالون بالقول: أرجو أن نتحلى بالحكمة التي لا حدود لها ونسأل الله أن تسود رؤية الحكمة والعدالة البشر جميعا .وفي محور آخر تحدثت الدكتورة معلى سلجوق حول موضوع الاخلاق في التعليم الديني وناقشت موضوع العلاقة بين الاخلاق والدين وعلاقة الانسان بخالقه وأهمية التربية للوصول الى هذه القيم الاخلاقية وقالت: العلاقة بين الاخلاق والدين علاقة وثيقة فمن الزاوية التاريخية الدين هو منبع الاخلاق ومن الزاوية النفسانية فالدين هو القوة التي تسهم في تشجيع مسيرة تحويل القيم الاخلاقية الى سلوك ومن زاوية نظرية المعرفة فالدين يمنح شعورا بالقيم الاخلاقية وأخيرا من زاوية علم الوجود فإن الله هو ينبوع القيم الاخلاقية في زاوية خلق الانسان.

وأضافت: إن التربية الدينية مختلفة تماما عن التربية الاخلاقية لأن التربية الدينية تتضمن في جوهرها بعد الايمان بالله وبالفعل فإن الايمان يشكل «بيئة» جديدة تسهم في تسهيل وضع الواجبات الاخلاقية حيز التنفيذ وإن حاولنا إفادة ما ذكر أعلاه بجملة واحدة يمكن القول حينئذ إن «الاخلاق تساعدنا على انتهاج الطريق القويم وإن كان الحق دينا فإن الاخلاق تساعدنا على التمسك بهذا الصواب بكل ما نمتلكه من قوة» كما تطرقت الدكتورة معلى الى مسؤوليات التعليم الديني الجديدة واعتبرت ان العلاقة بين الدين والتعليم التي خلقت ابعادا جديدة في دروس الدين التي تستند على جوهر علم اللاهوت تستأثر باهمية بالغة، اذ عوضا عن منح العقيدة الدينية كمجموعة من الضوابط التي يضطر الفرد لان يتلاءم معها فانه من المستحسن منحها بالشكل الذي يسهم في تطويره وتأويل كينونته وتشكيل احد المصادر التي تساعد على حل مشاكل الحياة، فالقيمة التربوية للانفتاحات الجديدة في التعليم الديني ذات علاقة وثيقة بالحوار المتصل مع التأويلات الجديدة في المجال اللاهوتي من جهة وبيانات العلوم الاجتماعية من جهة اخرى، واختتمت الدكتورة معلى بالتأكيد على ان التعليم الديني يتيح لنا امكانية التعرف على انفسنا والتعرف على بعضنا البعض وامكانية التعرف على مسؤولياتنا ايضا، وبدوره تحدث الشيخ ابراهيم مقرة رئيس لجنة المساجد بالمجلس الاسلامي البريطاني في لندن عن موضوع الدين والعولمة ايضا ولكن بمفهوم آخر حيث قال: البعض يفهم العولمة بطريقة خاطئة وما اريد توضيحه هو ان الاسلام نفسه يحمل العولمة بداخله رغم ان الاسلام فيه فكرة الامة الا انه لم يقيد الطبيعة العالمية لخلق الله فهو رسالة للبشرية جمعاء وهذا ما اكده القرآن الكريم والتعاليم الاسلامية فالبشر خلقوا شعوبا وقبائل مختلفة لتتعارف فيما بينها وتتلاقى افكارها وعلومها وهذا ما كلف به المسلمون جميعا من اجل نشر هذه التعاليم في العالم أجمع فالله لا يخاطب المسلمين فقط بل كان الخطاب الالهي دوما نحو الجميع وهذا هو برأيي البعد العالمي والعولمي للاسلام حيث تقتضي العولمة الاسلامية بالاعتراف بحقوق الآخرين ولا فضل لأحد على آخر الا بالتقوى.

اما ختام المحاضرات في الجلسة فكانت للبروفيسور جاكوب بيندر خبير الاديان بالشرق الاوسط وقد استهل كلامه بالسلام وعلق على ان هذه الكلمات متشابهة جدا في العربية والعبرية ومع هذا فقد حل الارهاب محل التسامح ونحن جميعا ابناء ابراهيم وهذا امر يدعو للسخرية على حد قوله.

البروفيسور جاكوب هو يهودي يعيش في الولايات المتحدة وهو حاليا يقوم باخراج فيلم وثائقي يجسد الوحدة التي يجب ان تكون بين الديانات السماوية الثلاث الاسلام والمسيحية واليهودية عن طريق توثيق حياة ثلاثة فلاسفة عظماء من التاريخ وهم ابن رشد وموسى بن ميمون وتوما الاكويني مع ما يمثله هؤلاء من تنوع واختلاف دون تخالف.

وقد تحدثث البروفيسور جاكوب عن هدفه من هذا الفيلم وقال: مثلت قرطبة اجمل شكل من التسامح الديني عبر التاريخ حيث كانت مدينة تنويرية بمعنى الكلمة وكان يمكن لزائرها الاطلاع على كل الاديان والمعتقدات والافكار فيها بحرية واسعة وفي هذه المدينة عاش الفلاسفة الثلاثة. وقد بدأت بالتحضير للفيلم بعد أحداث 11 سبتمبر وكان هدفي هو التشجيع على الحوار بين الأديان لمكافحة النظرة السيئة التي كانت موجودة عند الغرب تجاه الإسلام وإظهار التسامح الموجود في الثقافة الإسلامية.

وأضاف: بوسعي القول إن التشابه في الفكر بين ابن رشد وموسى بن ميمون يؤكد أن هناك وحدة ومصدر تنوير واحدا وهو الله والرسل الذي جاؤوا لنشر التسامح وهو ما سعى إليه سيدنا إبراهيم عليه السلام.

وأضاف: انني في الوقت نفسه أشعر بالحزن لبعض المشاعر الموجودة عند البعض ضد اليهود ومنها تعليقات إيران حول الهولوكوست وغير ذلك، وكل من يتحدث بهذه الطريقة اعتبره مخطئا لأننا جميعا علينا العيش بسلام وعدالة.

واختتم البروفيسور جاكوب بالشكر للمؤتمر والقائمين عليه متمنيا أن يفتح جسور التفاهم بين الجميع على أساس من الرحمة والمودة.

بحث

النشرة الإخبارية

لتلقي آخر أخبار الاجتماع أولا بأول أدخل بريدك الالكتروني

All rights Reserved © Conferences Organizing Committee
Site Designed and Powered By