ثقافات الأديان السماوية أكدت احترام مبدأ الاختلاف والتنوع

ثقافات الأديان السماوية أكدت احترام مبدأ الاختلاف والتنوع


كتب أشرف ممتاز:

فتحت الجلسة الثالثة ضمن جلسات مؤتمر الدولة الرابع لحوار الأديان باب النقاش حول التعددية الدينية واحترام الآخر والتصالح والتعليم الديني وأوضح الأستاذ الدكتور حسن الشافعي، أستاذ بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة إن التعددية الدينية بصيغتها الراهنة مفهوم ظهر في الفكر العربي وخاصة في مجال دراسات الأديان خلال النصف الأخير من القرن الماضي ثم صار قضية تشغل الناس دينيا واجتماعيا وسياسيا في مختلف أنحاء العالم تعقد له الندوات وتجري حوله الدراسات وتصدر عنه الكتب والمقالات، ووصلت أصداؤه بصيغته الراهنة بعد أن صار قضية عامة لا فكرة فلسفية إلي العالم الإسلامي خلال الربع الأخير من القرن نفسه ونال من الاهتمام العام قدرا ملحوظا بالعالم الإسلامي.

وقال: ليست فكرة التعددية الدينية بفكرة جديدة في الوسط الإسلامي غير أنه أصبح الأن قضية دينية واجتماعية وتستدعي الوقوف عند مفهوم التعددية وأهميته حيث أصبح مفهوم التعددية يدل علي معنيين أحدهما يغلب عليه الطابع الاجتماعي أو السياسي العام والآخر يشيع في مجالات الدراسات الإنسانية والدينية وبخاصة مقارنة الأديان والأول يعني تعايش المعتقدات الدينية المتنوعة المختلفة والأديان في وقت واحد مع بقاء مميزات وخصائص كل منها أما التعريف الآخر فيري أن التعددية الدينية نظرية خاصة عن علاقة الأديان كتقاليد ثقافية واختلافها في ادعاءاتها المختلفة للحقيقة وقد أدي إلي شيوع مفهوم التعددية الدينية جملة من الأسباب منها اختلاف الأديان السائدة في العالم في تصور الإله وجودا وعدما وحدة وتعددا وفي وظيف الدين واعتقاد أتباع كل دين بنوع من الأفضلية أو الاختيار الإلهي لمعتنقيه ولا يكاد يخلو دين من هذا الأمر وربط الخلاص به، كما أسهمت عوامل أخري مثل طرح النظام العالمي بعد انتهاء الحرب الباردة لبعض المفاهيم الجديدة مثل العولمة وحرب الارهاب التي يعتبرها أكثر المفكرين المسلمين اجتياحا للعالم الإسلامي وكذلك أخطاء التعامل المتبادل بين المواطنين في المجتمعات المتعددة مع الديانة والمظالم التي لا يبررها أي دين علي الإطلاق سواء أكانت في الشرق أو الغرب.


موقف الإسلام


عن موقف الدين الإسلامي من قضايا التعددية الدينية قال الدكتور حسن الشافعي إن عبارة التعددية الدينية جديدة علي اللغة العربية والمصطلح الفني الإسلامي لكن المفهوم نفسه راسخ وأصيل في صميم والمصادر الإسلامية والمقررات الشرعية وهو السبب في رواج مفهوم التعددية في العالمين العربي والإسلامي وهناك العديد من الشواهد الدالية علي هذا المفهوم في أصول الإسلام وتراثه ومنها مبدز التوحيد فالقرآن الكريم جعل الاختلاف والتنوع أمرا مقصودا وسنة مرعية في الخلق فيقول تعالي: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم .. وعلي الجماعة في الإسلام أن تستثمر تنوعاتها وتستوعب اختلافاتها وتبني حضاراتها علي أساس من التعاون والتضافر وقد أوجب القرآن علي المسلمين الإميان بكل الأنبياء والرسل السابقين بحيث لا يتم الإيمان إلا بها ولا ينجو العبد في الآخرة بدونها، فأحكام الأصول الإسلامية تؤسس التعددية في ضمير المسلم بحيث تجعل علاقته بالآخر تقوم علي العدل والإنصاف الواجب والبر والاكرام نحو كل

مخلوق من مخلوقات الله.


صراع واتفاق


ومن ناحيتهأكد المطران جورج صليبا مطران جبل لبنان أن التعددية هي فضيلة الحرية التي تميز الأفراد والجماعات والمجتمعات والأوطان علي امتداد الكون جغرافيا وحضاريا وثقافيا وهي التي تثري الفكر البشري والمعرفة التي هي ملك العقل البشري، ولذلك تأتي المباديء المجسدة لضرورة التفاعل الإنساني علي مختلف المستويات والعلاقات وتبادل الآراء والأفكار والمنافع، وقال في الديانة المسيحية تعتبر البشرية مجتمعة هي جسم واحد يكمل أعضاء الجسم وأحدهما الآخر، وفي كثير من المناسبات تقود التعددية إلي صراع واختلاف وفي مناسبات أخري تدعو التعددية إلي التنافس فيكون تنافسا بناء أحيانا وهداما في أحيان أخري ولكن لا ضرر من المحاولة فهي عنوان حرية الإنسان ومساعيه لتحقيق الأفضل، فالتعددية علي الرغم من دخولها في كثير من الحالات ميدان الاختلاف تثير حوافز الواعين الواحد من الآخر والمجتمع من الآخر والوطن من الآخر وتجعل الحياة في تعددياتها ومعطياتها وأشكالها المتنوعة والمجتمعات الدينية والملتزمة أخذت بمبدأ التدين وسيلة للاعراب عن صدق معتقداتها وأصالتها ونحن نقدر الملتزمين بدينهم ويحملون العصب الصحيح الذي يخالف التعصب، فالعصب الديني ايجابي بينما التعصب هو سلبي غالبا والذي يدعي عبادة الله ومحبته ويحمل الحقد والكراهية ويسعي الي اضطهاد الآخرين ليس محبا حقيقيا ولا عابدا حقيقيا لله.

نرفض المساس بالدين

وأشار المطران جورج الي أننا جميعا نستنكر وندين ونشجب كاريكاتورات الدانمارك والنرويج وسواها التي أساءت للاسلام بشخص نبيهم ورسولهم ومثلهم الاعلي ما لم يقره دين أو يقبله منطق أو يوافق عليه انسان فهذا عمل حقير ومدان جملة وتفصيلا.

وبالمقابل نستنكر ردات الفعل السلبية إن كان في بيروت أو أي مكان من الدنيا مع مسيحيين لاعلاقة لهم بهؤلاء لا من قريب ولا من بعيد، ونحن مع شركائنا المسلمين، نحمل نفس الهموم كما حملنا عبر التاريخ مظالم البيزنطيين والفرنجة الذين جاءوا باسم الصليبيين وهم أبعد ما يكونون عن الصليب والمسيحية الحقيقية ونسأل لماذا لا يميز بعض المسلمين بين الذين لا علاقة لهم بتعاليم المسيح والمسيحية بل يدعون ذلك وبين المسيحيين الذين يكونون معهم نسيج الاوطان والمجتمعات المشتركة، لكنها احقاد دفينة تنتظر المناسبة لتفجر هذه النيات لسوء الحظ.

وأضاف اننا عندما ننظر الي ما حدث بمدينة الاسكندرية نسأل أي مبرر يدعو معتوها ليتصرف ضد المسيحيين والاقباط تحديدا فهؤلاء الاشرار ينفذون مخططات لآخرين للاساءة الي مصر ويسعون الي نشر الفوضي والاضطراب وعدم الاستقرار هناك تبريرا للمخططات الصهيونية الزارعة فسادا في العالم عامة وفي المنطقة العربية خاصة فما ينفع المسيحيين ينفع المسلمين والعكس صحيح، وكذلك ما يجري علي الساحة الفلسطينية والعراق يؤكد تواجد الاصابع الصهيونية العاملة في الخفاء.

وعن مواصفات التعددية قال المطران جورج صليبا تتلخص مواصفات التعددية في قبول الآخر بالحوار واحترام حرية الاختيار واحترام مبدأ الاختلاف في الرأي واحترام التعددية الثقافية والدينية وأهمية العلم والفهم في مادة الحوار واتقان فنون الجدل والعرض والبيان والتكافؤ مع ثقافة الاخر وقدراته والبعد عن الفوقية وروح الغلبة والانتصار واستبعاد نزعة الاكراه واكرام الآخر واحترام خصوصياته.


معركة الحوار


ومن جانبه أوضح البروفيسور برنارد بروكوفيتش متخصص بالمجلس اليهودي الاسلامي بفرنسا ان وحدة المؤمنين هي جوهر حوار الاديان ووفق ما تقوله الاديان السماوية الثلاثة فان اسباب غياب الحوار معروفة فصراع قابيل وهابيل كان بداية لظهور النزاع الانساني وغياب الحوار بين الانسان وتحدث عن شروط الحوار قائلا يجب أن تتوافر الحرية والمعرفة فلا مكان للجهل الذي يؤدي لسوء الفهم والعنف ويجب أن يكون الحوار قويا وعلي القائمين علي هذا الحوار أن يتحلوا بالشجاعة ولابد أن يكون الحوار يعتمد علي خبرات الاشخاص المشاركين فيه، وهناك ضرورة لايضاح فحوي وأساليب الحوار فالحوار الهام هو حوار الاختلاف أكثر من حوار التشابه.

وأضاف تميزت فرنسا باستقبال أكبر مجموعة من اليهود في القارة الاوروبية واليهود موجودون بفرنسا منذ 200 سنة وأعطت لهم حقوق المواطنة، كما ان فرنسا في ذات الوقت تعتبر أهم تجمع اسلامي في أوروبا فعدد المسلمين وصل بفرنسا حوالي 5 ملايين مسلم ومعظم الحاخامات اليهود بفرنسا أصلهم من دول المغرب العربي ومن كل ذلك هناك عناصر ربط بين المجتمع الاسلامي واليهودي بفرنسا التي تبقي دائما بلداً ذا عقلية مسيحية مهما اشتدت أسس العلمانية بأركان الدولة الفرنسية.

التربية الدينية

وفي حين قال الدكتور محمد شوقي أيدين رئيس الشؤون الدينية التركية أن للتربية دوراً قيادياً في تأسيس ثقافة السلام عوضا عن ثقافة الاصطدام والتوتر، لأن التربية الدينية هي التي تجعل حقيقة الدين التي تؤثر علي صميم الافراد مادة تعليمية وتربوية وليس في امكاننا أن ننكر حقيقة تسبب الاديان في التاريخ وفي عصرنا بالتوترات والاصطدامات الكبيرة والنزاعات والحروب ويمكن الجزم بأنه اما ان التربية الدينية لا تتحقق بالدرجة الكافية أو انها عاجزة عن النهوض بالدور المتوقع منه وتتضح من ذلك دور التربية الدينية التي تستند علي التعليم الفهمي والادراكي وأن تتبناها وعلينا أن نتجنب الوسائل التقليدية وأن نتخذ التدابير التي تضمن تطوير الملكات الفكرية والاستجوابية لدي الطلاب ونفتح طرق الوعي والادراك لدورهم وأن لا نمنع ولا نوقف التفكر الحر ويتضح من ذلك كله بأن علي التربية الدينية ان تبتعد كل البعد عن تحفيظ بعض القوالب أو فرضها علي الطلاب وبدلا من ذلك علينا ان نتيح الفرصة لهم لتحليل النصوص الدينية وفهمها واستنباط مدلولاتها واكتشاف المعاني والمباديء واستيعابها بالشكل الصحيح فمثلا علي التربية الدينية ان تتجنب تحفيظ عبارة أنا مسلم وأن تستبدل هذا النهج التقليدي بالنهج الذي يرشد الطلاب علي اكتشاف هذه العبارة من خلال التحري والتفكير بأنفسهم والحصول عليها بعد بذل المجهود اللازم من أجلها.

وأضاف أن المعلومات التي تتيحها مثل هذه التربية الدينية ليست نصوصا جامدة بل هي مادة مفيدة تسهم في حل مشاكل الفرد وتذليل الصعوبات التي يواجهها في حياته الفردية كما تشجعه علي التصرفات والاعمال الصالحة، ومثل هذه التربية الدينية تجعل الفرد متفتحا نحو التحول والتطور بالاتجاه الصحيح ومنفتحا نحو نفسه وغيره والكون بأسره ومنفتحا نحو الايمان والاخلاق والجمال ومنفتحا نحو كل ماهو انساني ومتيقظا علي استغلاله واستخدامه من قبل الاخرين.

بحث

النشرة الإخبارية

لتلقي آخر أخبار الاجتماع أولا بأول أدخل بريدك الالكتروني

All rights Reserved © Conferences Organizing Committee
Site Designed and Powered By