الجلسة الأخيرة فتحت آفاقاً جديدة لحوار الأديان والعلم .. معطيات العلوم تتطابق مع تعاليم السماء وتتطلب تجديد الخطاب الديني

الجلسة الأخيرة فتحت آفاقاً جديدة لحوار الأديان والعلم .. معطيات العلوم تتطابق مع تعاليم السماء وتتطلب تجديد الخطاب الديني

د. النجار: القرآن يحوي حقائق علمية لم تدركها العلوم المكتسبة إلا بعد أكثر من 1300 عام

الحاخام نانسي: العالم بدأ يدرس تأثير المعتقدات في الشفاء من الأمراض

د. جوزيف: العولمة ليست قدراً محتوماً وعلينا تجديد الخطاب الديني

الحاخام مروفين: قطر انتهجت طريقاً رائعاً للحوار والتفاهم بين الأديان

طه حسين :

خصص المؤتمر جلسته الأخيرة لمناقشة موضوع الدين والتطورات العلمية المعاصرة وادارها الدكتور عبدالدايم نصير نائب رئيس جامعة الازهر متحدثا عن نشأة الإنسان وما صاحب ذلك من اختراعات وتطورات علمية تولت عنها التقنيات الحديثة التي تشكل عالمنا المعاصر. واكد ان الإيمان لا يكتمل الا بعمل الصالحات وان من اهم ذلك ما ينفع الناس وان المعرفة تقود إلى هذه الغاية خاصة اذا راعت البعد الأخلاقى والوازع الدينى لتصبح فى هذه الحالة ضرورة فهى ارث الإنسانية ويجب الا يتحكم فيها أصحاب المصالح الضيقة. تحدثت فى الجلسة الحاخام نانسي فوشس كريمر الاستاذ المساعد بكلية الحاخامات لإعادة التفسير بأمريكا فتناولت المجالات ذات الصلة بكل من الدين والعلم مثل الحقيقة والظواهر الطبيعية والتي تلتقى احيانا بشكل ايجابى ومرة بصورة تنازعية. وتطرقت إلى علوم المعرفة المختلفة فى الطب وعلم النفس والبحث والطب البديل ودور المجتمع والإيمان والممارسات الروحية وقدرة الجسد فى مقاومة الأمراض وعلاقة ذلك بالدين والعلم. مشيرة إلى وجود حركات بدأت تتجه لدراسة دور المعتقدات في الشفاء من الأمراض.

وتحدث في الجلسة الدكتور زغلول النجار - رئيس لجنة الإعجاز العلمي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر؛ وعرض لعدة مفاهيم كانت محل جدل ونقاش استمر لما بعد الجلسة الختامية للمؤتمر، خاصة عندما تناول بعض الأمور التي تمس العقيدة المسيحية والكتاب المقدس والتشكيك في خلق الله لآدم على صورته، وهي القضية التي لقي فيها الدكتور النجار انتقاداً لطرحه سواء من مسلمين أو مسيحيين، لكنها جاءت في إطار الحوار.

وعرض الدكتور النجار لمفهوم الدين قائلاً:

إن الدين هو بيان من الله - تبارك وتعالى - للإنسان في القضايا التي يعلم ربنا - تبارك وتعالى - بعلمه المحيط عجز الإنسان عجزاً كاملاً عن وضع أية ضوابط صحيحة لنفسه فيها، وذلك من مثل قضايا العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والمعاملات.

وأن هذه القضايا التي تشكل الركائز الأساسية للدين هي إما من أمور الغيب المطلق التي لا سبيل للإنسان في الوصول إلي أي منها إلا عن طريق وحي السماء كقضية العقيدة، أو هي من الأوامر الإلهية المطلقة كقضية العبادة، أو هي من ضوابط السلوك الصحيحة لنفسه في أي من هذه الركائز الأربع، ومن هنا كانت ضرورة الدين، وضرورة أن يكون وحياً سماوياً خالصاً دون أدنى قدر من المداخلات البشرية.

وهذا الدين السماوي علمه ربنا - تبارك وتعالى - لأبينا آدم - عليه السلام - لحظة خلقه حين عرفه من هو؟ ومن خالقه؟ ولماذا أرسل إلى هذه الأرض؟ وما هي رسالته فيها؟ وكيف يمكن له تحقيق هذه الرسالة على الوجه الذي يرضي خالقه؟ وما هو مصيره بعد هذه الحياة؟

وقال إن هذه الأسئلة الكلية تتردد في نفس كل إنسان، قلت ثقافته أو زادت، وإذا لم يجد الإجابات الشافية عليها لا يمكن له أن يحيا حياة سوية على هذه الأرض، ولابد أن يحقق رسالته في هذه الحياة، لذلك كلف الله تعالى آبانا آدم - عليه السلام - تعليم زوجه وبنيه ركائز هذه الهداية الربانية، وأفهمهم حقيقة رسالة الإنسان في هذه الحياة: عبداً لله يعبده بما أمر، ومستخلفاً في الأرض مكلفاً بعمارتها وإقامة عدل الله فيها. البشرية، كلما عاشت البشرية بهذه الهداية الربانية سعدت وأسعدت، ولكن لما كان في الإنسان ميل إلى النسيان، وإمكانية التعرض لنزغات الشيطان الذي يسعى دوماً إلى إخراجه عن منهج الله، وإلى إغوائه بالشهوات الحسية والرغبات المادية غير المشروعة حتى يفقد هذه الهداية الربانية، فإن المجتمعات الإنسانية ظلت تتردد بين نور الهداية الربانية وظلام الجاهلية عبر تاريخها الطويل. وكان الناس كلما انحرفوا عن وحي السماء مع بقائه بين أيديهم أرسل الله - تبارك وتعالى - أنبياءه ليردوهم إلى نور الهداية الربانية، ولكن إذا كانت رسالة السماء قد ضاعت أو تعرضت لقدر من التحريف الذي يخرجها عن إطارها الرباني ويجعلها عاجزة عن هداية الناس أرسل الله - تعالى - نبياً رسولاً بنفس الرسالة ومن نفس المصدر ليرد الناس إلى الهداية الربانية من جديد.

وقد استغرقت عملية هداية الله لعباده مائة وعشرين ألف نبي، اصطفى الله - سبحانه وتعالى - منهم ثلاثمائه وبضعة عشر رسولاً، كان خاتمهم أجمعين: النبي والرسول الخاتم، سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم- . ولما كانت رسالته هي الرسالة الخاتمة بمعنى أن ليس من بعده نبي ولا رسول، فقد تعهد الله - سبحانه وتعالى - بحفظها فحفظت في نفس لغة وحيها - اللغة العربية - وحفظت حفظاً كاملاً على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية، وقد تعهد ربنا - تبارك وتعالى - بحفظها حفظاً مطلقاً حتى تبقى شاهدة على جميع الناس إلى قيام الساعة؛ فقال عز من قائل: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» «الحجر: 9»

أضاف أن القرآن الكريم يمثل الصورة النهائية للهداية الربانية للناس كافة، والمحفوظة في نفس لغة الوحي - اللغة العربية - والمحفوظة على مدى يزيد على الأربعة عشر قرناً دون أن يضاف إليها حرف واحد، أو أن ينتقص منها حرف واحد وهو أمر معجز، لم تتمتع به صورة من صور الوحي السابقة أبداً، وقد ترك حفظها لأصحابها فضيعوها، ووكل إصلاح الناس من بعدها إلى نبي آخر أو رسول آخر، ولكن لما كان سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو خاتم الأنبياء والمرسلين، كان حفظ رسالته من بعده تحقيقاً للعدل الإلهي الذي عبر عنه ربنا - جل وعلا - بقوله العزيز: «.. وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً» «الإسراء: 15».

وعرض د. النجار لماهية العلوم والتي تشمل كلا من المعارف الموهوبة التي علمها الله تعالى، لأبينا آدم عليه السلام لحظة خلقه، وورثها لبنيه من بعده، كما يشمل المعارف المكتسبة التي جمعها الإنسان عبر العصور من تجاربه في هذه الحياة، ومن اسقرائه لسنن الله في الكون، ومحاكاته لما أوجد الله تعالى فيه من خلق. ويشمل ذلك هداية الله سبحانه وتعالى، التي أنزلها على سلسلة طويلة من أنبيائه ورسله، وأكملها وأتمها في القرآن الكريم وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه علي وعليهم أجمعين، كما يشمل كل المعارف المكتسبة ويشمل ميراث البشرية من هذه المصادر جميعها عبر التاريخ. ولكن ساد بين الناس قصر لفظة «العلم» على العلوم البحتة والتطبيقية القائمة على الملاحظة والاستنتاج، أو على التجربة والملاحظة والاستنتاج المطبقة على الكون ومكوناته وظواهره ومختلف صور المادة والطاقة والجمادات والأحياء فيه.

وحول الدين والتطورات العلمية المعاصرة قال د. النجار: بلغت المعارف بالكون المادي في هذه الأيام مستوى لم تبلغه البشرية من قبل، وأصبحت الاستنتاجات الكلية لتلك المعارف تؤكد كل ما جاء به الدين من إيمان بالله الخالق البارئ المصور، وتنزيهه عن الشريك والشبيه والمنازع والصاحبة والولد، وعن جميع صفات خلقه، وعن كل وصف لا يليق بجلاله، ومن ضرورة الإيمان بالغيب، وبالوحي، وبالبعث والحساب.

وقال: إن المعطيات الكلية للعلوم المكتسبة هي في جملتها تتطابق مع تعاليم السماء كما تكاملت في بعثة النبي والرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم.

وأكد أن التأصيل الإسلامي للمعرفة من جهة، وفهم الإشارات الكونية في كتاب الله وفي أقوال خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى، وذلك بتوظيف الحقائق العلمية المتاحة سوف يؤكد لكل ذي بصيرة استمرار النبوة من لدن أبينا آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم عبر سلسلة طويلة من أنبياء الله ورسله عليهم أجمعين من الله السلام. وأن القرآن الكريم بما يحويه من حقائق علمية لم تدركها العلوم المكتسبة إلا بعد أكثر من ألف وثلاثمائة سنة هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية في نفس لغة وحيه «اللغة العربية» وتعهد بذلك الحفظ إلى ما شاء الله تعالى، ليبقى القرآن الكريم شاهداً على جميع الخلق بأنه كلام الخالق، وشاهداً للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة، وبأنه كان موصولاً بالوحي ومعلماً من قبل خالق السموات والأرض.

وتناول الدكتور جوزيف بورعد الانطوني عميد كلية اللاهوت والدراسات الدعوية بالجامعة الانطونية بلبنان موضوع المسيحية والعولمة وموقف الكنيسة منها، مؤكدا على ان العولمة ليست قدراً محتوماً.

وقال إنه يتوجب على العولمة كحركة كونية جديدة، ان تعترف وتحترم ليس فقط القيمة المطلقة للانسان كفرد بل وقيمة كل الحضارات البشرية التي لا يحق لأي سلطة مهما علا شأنها ان تحتقر أو أن تدمر، هذا المبدأ على العولمة من خطر تحولها إلى شكل جديد من أشكال الاستعمار، فاحترام تنوع الحضارات في إطار التآلف والتكامل بين الشعوب يشكل مدخلا رئيسيا لفهم الحياة بشكل عام لذلك يترتب على العولمة ألا تحترم الشعوب، وبخاصة الفقيرة منها، في ما بقي لها من تقاليد وعادات وبالأخص من إرثها الديني، فالعبادات والمعتقدات الدينية ما هي إلا المظهر الاصدق والاسمى لحرية الانسان.

وقال ان العولمة تشكل، أولا، معطى حضاريا وانسانيا جديدا يحفز الديانات للتأقلم معه ولصياغة موقف واضح منه لكي يبقى لرسالتها وجود وفعالية في عالم اليوم، لكنه ايضا ومن خلال ما يسمى بالثورة التكنولوجية احدث تغييرا جذريا على واقع البشرية وعلى أطر العلاقات بين الشعوب والاديان، فالاتصال المباشر والاحتكاك الدائم بين معتنقي الديانات المختلفة يطرح على هذه الاخيرة اسئلة ما كانت لتطرح في عالم كانت حدود الحضارات والمعتقدات واضحة ومعترف بها ضمنيا من الاطراف كافة، أما اليوم فالتقوقع والانكفاء داخل حصون دينية أو مذهبية اصبح غير ممكن بعد ان غزت المعلوماتية كل بقاع الارض، فالواقع الجديد هذا يشكل حافزا وتحديا كبيرين للديانات في تفاعلها لتنتقل من حيز المنافسة، التي تتحول إلى تصادم احيانا، إلى حيز السعي الدؤوب لبناء حضارة مشتركة يكون فيها الانسان، كل انسان، مركز اهتمامها جميعا، فالاديان، كافة، مدعوة لاعادة صياغة خطابها وبالاخص ذلك الذي تعبر فيه عن نظرتها للآخر وموقفها منه سيما وان المسافات بين الشعوب والحضارات آيلة إلى الانحسار وكثير من ملامح الاختلاف عن هذا «الآخر» سائرة إلى زوال، فزماننا زمان تلاق وتفاعل بقدر ما هو عصر أزمات في تحديد هوية كل منا، واجبنا كرجال ايمان ان نبرز ما في تراثنا الديني من كنوز تغنينا بقدر ما تغني اولئك الذين يجهلونه، تجدنا في ذلك في صراع مع الوقت ومع تلك القوى المتشنجة التي لا قدرة لها على قبول تحدي اعادة صياغة هويتها الدينية، سبيلنا إلى الانتصار لخير البشرية وللسلام بين ابناء القرية الكونية الواحدة هو توسيع مساحات التلاقي والحوار فيما بيننا والذي يشكل هذا المؤتمر مبادرة مشكورة للسير في هذا الاتجاه القويم.

اما الحاخام روفين ليفنغستون من لندن فنوّه بحرص دولة قطر على عقد المؤتمر.. وقال فى حديثه «لقد جئنا لبلد مسلم وعربى وتحدثنا بحرية مطلقة فى كل ما طرح للنقاش واعتبر هذا النهج طريقا رائعا للحوار الذى يلتقى فيه المسلمون والمسيحيون واليهود.. كما اننى اعتبر مؤتمر الدوحة للحوار بين الاديان فريدا من نوعه فى العالم وان قطر هى واحة المعرفة والتنمية ورمز البناء فى الصحراء».

وتابع قائلا «إننى أشيد بجهود حضرة صاحب السمو أمير دولة قطر وصاحبة السمو حرمه لدورهما فى عقد مثل هذه المؤتمرات الهامة التى تشهدها قطر.. ففى الوقت الذى نجتمع فيه هنا كان العلماء العرب يجتمعون فى مكان آخر بالدوحة لتدارس قضايا العلم والبحث والمعرفة».

واستعرض التطورات العلمية المذهلة التى يشهدها العالم الآن لافتا إلى ان بعض تلك الاكتشفات العلمية مفيد وبناء فى حين ان بعضها يؤدى إلى الحرب والدمار.. داعيا ان يكون العلم موضوعيا وهادفا ودافعا للبحث والدراسة منوها على الرابط القوى بين العلم والدين.

وفى نهاية الجلسة جرت تعليقات كثيرة حول ما طرح وأثير خلالها حيث أكد المشاركون على أهمية الحوار وضرورة عدم التبشير لدين معين من خلال هذه المؤتمرات أو انتقاد العقائد وان يتم التركيز على سبل التفاهم والتعايش والتركيز على القواسم المشتركة ونقلها إلى أرض الواقع والدعوة فى كل مكان إلى التفاهم والحوار ونشر ثقافة السلام وتجنب ثقافة الكراهية.

بحث

النشرة الإخبارية

لتلقي آخر أخبار الاجتماع أولا بأول أدخل بريدك الالكتروني

All rights Reserved © Conferences Organizing Committee
Site Designed and Powered By