الأديان الثلاثة تفرض نفسها محرضاً قوياً علي التغيير

الأديان الثلاثة تفرض نفسها محرضاً قوياً علي التغيير

الدوحة - أيمن عبوشي:

ربما لم يتجاوز رموز وممثلو الأديان السماوية الثلاثة الذين شاركوا في مؤتمر الدوحة الرابع لحوار الأديان، الذي اختتم أعماله أمس الخميس، الفجوات الواسعة التي تفصلهم عن بعضهم.. بل تكاد تدفعهم لإلغاء الآخر، وبعضهم لاستبعاده.. ولكنه كان فرصة لطرح الاختلافات، علي الرغم من صعوبة الوصول إلي الحلول.. كما أشارت حسينة حماميد، أستاذ مساعد بقسم التاريخ بجامعة باتنة الجزائرية ، والتي تعتقد بأن الجميع جاء للمؤتمر متمسك بقناعته، ورافض لتقديم أية تنازلات، بحيث يحاول الجميع احتواء الآخرين في دوائرهم..

وتساءلت حماميد عن السبب الذي يبقي الحوار رهنا بالنخب الدينية، ويستبعد عموم القاعدة عن أروقته، ما يجعله بروتوكوليا.. واستهجنت حماميد، النظرة الفوقية لأصحاب الديانتين المسيحية واليهودية تجاه الإسلام.. وتساءلت عن السبب الذي يجعل الدعوة إلي الحوار من قبل المسلمين في معظم الأحيان، فيما يحجم المسيحيون واليهود عن توجيه الدعوة إلي الحوار نفسه.. حيث يمكننا ملاحظة الحوار الدائم بين الديانتين اليهودية والمسيحية في المجتمع الغربي، واستثناء الإسلام بذريعة البعد الجغرافي الذي يحكر الوجود الديني الإسلامي في الغرب، في أقليات لا تفرض نفسها علي الواقع الثقافي في أوروبا.

واعتبرت حماميد هذا الاحتكار للحوار بين ديانتين، انعكاسا لنظرة الاستعلاء الغربية تجاه الإسلام الذي إن وجد فرصة للحوار، فإنه مطالب بحوار بين العقيدة الإسلامية من جهة، والغرب كمنظومة حضارية من جهة ثانية، في استبعاد واضح للإسلام من طرفي الحوار اليهودي المسيحي، مبدية استغرابها من عدم وجود مبادرات مسيحية أو يهودية للحوار مع المسلمين.. والاكتفاء بمبادرات أحادية الجانب من قبل دولة مسلمة مثل دولة قطر. وبررت حماميد هذا العزوف المسيحي واليهودي لأسباب سياسية، يسعي من خلالها هؤلاء إلي إحراز مكاسب من خلال المشاركة وفرض الذات، من دون تقديم الحلول الممكنة للتقريب بين الأطراف الدينية المختلفة.

وقد يدفع أطراف مؤتمر الحوار في الدوحة من المسيحيين عن أنفسهم هذه الاتهامات، كما فعل الدكتور ستيفين سكراينير، المتخصص في الدراسات الدينية المقارنة في جامعة توبينغين الألمانية، ومنسق منتدي إبراهيميك للحوار بين الأديان الثلاثة في ألمانيا، والذي قال إن ألمانيا استضافت العام الفائت، منتدي إبراهيميك الدولي للحوار بين الأديان الثلاثة، والذي ضم ممثلين عن الدين الإسلامي.. وعزا سكراينير قلة دعوات الحوار بين الأديان السماوية الثلاثة من قبل أطراف أوروبية، إلي نقص المعرفة حول الدين الإسلامي في تلك البلدان.. مؤكدا بأن المنتدي الألماني يقام سنويا، ويتم رعايته من قبل مؤسسات مسيحية وغير مسيحية ويشارك فيه مسلمون.. وبالطبع لفت سكراينير إلي الحاجة للحوار من أجل معرفة أتباع الديانات المختلفة لبعضهم، من خلال الحوار المباشر..

وإذا كانت العولمة غول قد أثار خوفا من تسونامي ثقافي غربي، فإن الدكتور عبد المجيد عمراني، عضو المجلس الأعلي لفقه اللغة العربية وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة باتنة، قد اعتبر أن المواجهة بين الأديان سوف تنتهي بالصراعات الدينية في ظل ثقافة العولمة، والسياسة الأحادية التي يتم فرضها من الغرب، ونبه عمراني إلي أن الحوار يعتمد في بنيته التحتية لدي المسلمين علي أسس التعاون السياسي، والاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي، وليس علي أساس الرقعة الجغرافية فقط، كما يحصل لدي المجتمع الغربي الذي يحكر الحوار بين الديانتين المسيحية واليهودية فقط.. وطالب عمراني في مداخلاته في مؤتمر الحوار، بضرورة تحديد ثلاث نقاط رئيسية.. الأولي تعالج تحديد المفاهيم بين الثقافات، والتحالف بين الحضارات في جميع الأديان.. والثانية تهتم بدراسة ترقية مفهوم الحوار بين الأديان، بقصد إزالة ضرورات المركزية الغربية.. اليهودية والمسيحية والتي تقوم علي سلطة المادة، وإلغاء الآخر أو السعي إلي استغلاله.. بالإضافة إلي الخطاب المزدوج والاحتواء السياسي والثقافي والمعلوماتي.. والثالثة تهتم بالتنبؤات المستقبلية للأديان والأرضية الأساسية القائمة بينها، عبر المراحل التاريخية بقصد التقارب من أجل نجاح المشروع الجديد المتمثل في بداية التاريخ الجديد لفلسفة تعايش ثقافات الأديان بين الأمم.. بيد أن د. عمراني طرح سؤالين لتحديد أسس الحوار متمثلة فيما إذا كانت الحضارة الغربية بمفهوميها الجغرافي والسياسي، هي التي فرضت علينا فكرة حوار الأديان، لافتا إلي أنه إذا كان الجواب بنعم فإن فكرة حوار الأديان سوف تصبح معولمة في المستقبل، كتحذير واضح من هيمنة الديانتين المسيحية والإسلامية علي الإسلام.. مشيرا إلي أنه إذا كان الجواب بلا.. فإن الحوار يبقي محل دعوي لعالميته.. محذرا من انتهاء فكرة الحوار مع نهاية القرن الحادي والعشرين..

لكن هل فعلا أمسكت الأديان بدفة التغيير في العالم، خاصة وأن النزعات الدينية قد بدأت تبرز في أشكال متطرفة بين الأديان الثلاثة.. أم أن الحداثة قد ألغت دور الدين وبعده الأخلاقي من وظيفته في المجتمعات، فيما تبقي له من تأثير.. ولا يتفق السيد ضياء الموسوي عضو المجلس الأعلي للشؤون الإسلامية، ومركز الحوار الثقافي في البحرين، مع فكرة تراجع دور العقيدة في المجتمعات ويقول إن الدين له دور هام في السياسة، بحيث يعمل من خلال ذاكرة الناس، وتكوينهم السيكولوجي والسيسيولوجي مشيرا إلي ضرورة تقليل الجرعات الدينية المؤثرة في مخيلة المجتمع، حتي يصبح بالإمكان الانفتاح علي مستقبل أفضل.. علي أن يكون للدين دور إيجابي لبناء مستقبل تعددي بين الأديان، والطوائف، والمجتمعات، مطالبا بضرورة أن يتم إدخال الناس علي المناطق المشتركة، والابتعاد عن تفصيل من يمتلك الحقيقة المطلقة، واستبعاد من تبقي. مؤكدا أنه في حالة إزالة هذه العوامل المفخخة بين الأديان والابتعاد عن النرجسية الأيدولوجية، فإن أتباع الديانات، بل والطوائف المختلفة سيكونون قادرين علي الانفتاح علي القواسم المشتركة.. بيد أن موسوي أشار إلي أنه في حالة البقاء في الزاوية النرجسية كأديان والاستمرار في العيش علي التناقضات بين أتباعها في المفاهيم، عبر مصادرة الجنة، واحتكار الحقيقة فإن هذا سيؤدي إلي مستقبل مظلم بدون شك.

وأيضا.. هل بقي للدين دور في المجتمعات.. وعلي عكس ما يتوقعه البعض، قال سكراينير إن الدين يلعب هذه الأيام دورا هاما في الدول الأوروبية، أكثر مما كان عليه قبل عشر سنوات سابقة.. لأن الدين في اعتقاده لم يكن محوريا في المجتمع، والسياسة الأوروبية، كما كان في السابق، مشيرا إلي أنه أصبح الآن الدين عاملا مغيرا في المجالات السياسية والاجتماعية في المجتمع الأوروبي.. وأعرب سكراينير عن قناعته بأن الدين قادر علي التغيير ومواكبة الحداثة، مطالبا بضرورة القضاء علي التطرف في الأديان الثلاثة، علي اعتبار أن أتباعه يقفون عادة خلف الصفوف ولا يتصدرون الأديان من أجل المزيد من التغيير والتطور.

ولأن مؤتمر الدوحة راعي هذه المرة ألا يكتفي بالحوار مادة قد تثير غبار الخلاف، وتحجب الرؤية الواضحة لدور الدين في المجتمع.. فإن من أبرز محاوره كانت الرغبة في عكس مدي قدرة رموز العقائد من مختلف الديانات السماوية، علي مواكبة الحداثة والتطورات المجتمعية الأخيرة.. وهو ما قال عنه عمراني بأنه يتماشي مع الوضع الراهن من خلال عنوان المؤتمر دور الأديان في صنع الإنسان ، والقضايا الراهنة، وتعزيز الحوار الموضوعي الذي يعترف بالآخر.. مؤكدا بأن الأديان تقصد ترقية الأخلاق لدي الأفراد، ولافتا إلي أن الأديان تتماشي ضمن مسارات العلمنة.. أما موسوي فيعتقد علي الرغم من دعوته للدولة المدنية بديلا للدينية، أن الدين يتم تحريكه سياسيا، وقال أعتقد أن الدين مخطوف لصالح جماعة سياسة، ومن أجل مصالح سياسية في أطر ميكيافيلية تحت أغطية دينية .


بحث

النشرة الإخبارية

لتلقي آخر أخبار الاجتماع أولا بأول أدخل بريدك الالكتروني

All rights Reserved © Conferences Organizing Committee
Site Designed and Powered By