التجديد العربي :مؤتمر حوار الأديان الثلاثة والمأزق السياسي


عبدالرحمن النعيمي

مؤتمر حوار الأديان الثلاثة والمأزق السياسي

عقد في الدوحة الأسبوع المنصرم مؤتمراً ضم عدداً كبيراً من رجال الدين المنتمين إلى الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، وقد حضره حاخامات يهود من فلسطين المحتلة «إسرائيل» وقاطعه بعض رجال الدين العرب من مسيحيين ومسلمين منطلقين من الرؤيا السياسية للصراع في المنطقة، باعتبار ان حضور رجال دين يهود من الأرض المحتلة يعني خطوة قطرية، وعربية باتجاه التطبيع مع العدو الصهيوني.

وقد عقدت في عواصم أجنبية في السنوات الماضية مؤتمرات للتقارب بين الديانات الثلاث، ويبدو ان نتائج المؤتمر الأخير لن تكون أفضل من سابقاتها، لعدة أسباب من بينها ان كافة الحاضرين من رجال الدين لا يملكون القدرة على نسخ بعض الآيات أو النصوص التوراتية أو الانجيلية التي قد تسهم في التقريب بين هذه الديانات، ومن بينها اعتبار اليهود هم شعب الله المختار، ومن بينها الاوهام حول عودة دولة اليهود على أرض فلسطين في آخر الزمان، ومن بينها صلب المسيح.. إلخ من القضايا المختلفة بين الديانات الشرقية المذكورة رغم اتفاقها في الكثير من القضايا خاصة المنطلق السماوي.

وقبل سنتين كان هناك توجه لدى حكومة البحرين للتقريب بين المذاهب الإسلامية، في محاولة للرد على التهم الموجهة اليها بأنها تتبع سياسة طائفية، ودعت وزارة الشؤون الإسلامية المئات من رجال الدين المسلمين من مختلف البلدان العربية الذين أكدوا في مؤتمرهم ضرورة الوحدة الإسلامية ونبذ الخلافات والتفتيش عما هو مشترك بين المسلمين، وكان النجاح حليف المؤتمر على الصعيد الإعلامي، لكن الواقع المعاش في البحرين وغيرها من الدول العربية لم يبرهن على أن رجال الدين المسلمين مقتنعون بالوحدة بين أبناء الشعب الواحد، ولعل ما نشاهده في العراق من مجازر، والانقسام الطائفي والديني في لبنان، بالإضافة إلى المشهد السياسي في البحرين يؤكد أن الدين والمذهب قد ادخلا المعترك السياسي وبات الولاء للمذهب كما الولاء للمعتقد الديني يوفق الولاء للوطن، بل يسبقه، ولا يتردد عن نحر الوطن بسيف الطائفة أو الدين.

نعود إلى المؤتمر الذي عقد في الدوحة ومسألة الحوار بين الأديان السماوية الثلاثة، فنؤكد التالي:

1- اننا نرفض ان نعتبر الصراع على فلسطين وفي فلسطين حالياً هو صراع بين اتباع الديانة الموسوية واتباع عيسى ومحمد، بل هو صراع امبريالي للسيطرة على المشرق العربي، قادته بريطانيا «وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو» عندما كانت الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، وتقوده الآن الولايات المتحدة الأمريكية التي تريد الهيمنة على العالم «بالتركيز على منطقة القيادة المركزية الممتدة من باكستان إلى المغرب كما حددها مبدأ كارتر ومن بعده ريجان» انطلاقا من قوتها الاقتصادية والعسكرية والتقنية، وبالتالي تطويع العولمة باتجاه الهيمنة وخاصة على منطقة النفط في المشرق العربي ودول آسيا الوسطى.

2- ان علينا ان نميز فعلاً بين اتباع النبي موسى من جهة والحركة الصهيونية من جهة ثانية، حيث ان الأخيرة هي من افرازات النظام الامبريالي كحركة عنصرية استيطانية شأنها شأن الابارتيد «التمييز العنصري» الذي شاهدناه في جنوب افريقيا وردويسيا «زمبابوي حالياً» اضافة إلى ما عاشته الولايات المتحدة الأمريكية من تمييز بين مواطنيها على اساس العراق واللون قبل ان تحقق حركة مارتن لوثر النجاح في الستينيات من القرن المنصرم، ويتم تجريم التمييز العنصري في الولايات المتحدة.

3- ان الانطلاق من الأديان المذكورة يجب ان يكون على ارضية المساواة بين بني البشر، وكون هذه الأديان جاءت في مرحلة تاريخية للرد على معضلات واجهتها شعوب هذه المنطقة، مع ما تميز به الإسلام من ثورة سياسية لتوحيد الأمة والتبشير بالمساواة بين بني البشر وبالتالي الغاء كافة اشكال التمييز، وما يتوجب علينا في الوقت الحاضر من التأكيد على المواطنة المتساوية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض الدولة الدينية أو الطائفية ومحاربة كافة أشكال التمييز على اساس الدين أو المذهب أو الجنس كما تنص عليها كافة المواثيق الدولية.

وبالتالي فإذا كان الهدف لدى البعض هو التقريب بين الأديان الثلاثة، فإن على رجال الدين - اذا لم يكونوا أدوات لدى رجال السياسة- أن يؤكدوا رفضهم للتمييز بين عباد الله، ورفضهم للمنطلق الايديولوجي الذي قامت عليه الدولة العبرية وسياسات التمييز اليومية الممارسة ضد الشعب الفلسطيني ليس فقط في اراضي 1967 وانما في أراضي 1948، ورفض الأوهام التوراتية التي تقول إن فلسطين أرض الميعاد ليهود العالم، والتأكيد من جهة ثانية على حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه، وحق كل يهودي في العودة إلى وطنه الأصلي ان اراد ذلك، والا يكون ذلك ورقة سياسية في يد الحكومة العنصرية في تل أبيب.

حوار الأديان إذا لم يسهم في تقديم حلول انسانية تقدمية لقضية فلسطين، لا يمكن الا ان يكون ورقة في يد دعاة التطبيع، وإضافة برهان آخر بأن غالبية رجال الدين من مختلف الأديان باتوا أوراقاً في ايدي رجال السياسة.



عبدالرحمن النعيمي

 تاريخ الماده:- 2005-07-05

بحث

النشرة الإخبارية

لتلقي آخر أخبار الاجتماع أولا بأول أدخل بريدك الالكتروني

All rights Reserved © Conferences Organizing Committee
Site Designed and Powered By